التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥١٢ - السبر و التقسيم
و قد بيّنا أنواع القياس الاقتراني و الاستثنائي الواردة في القرآن على أساليب متعارفة و بديعة، و إليك أنواعا اخر من الأقيسة:
السبر و التقسيم:
من أنواع الحجج المصطلح عليها في علم الجدل (السبر و التقسيم) باستقصاء جوانب المسألة و كل محتملاتها، ثمّ إخراجها فردا فردا، ليبقى الاحتمال الأخير هو الصحيح المطلوب.
و من أمثلته في القرآن ما جاء في سورة الأنعام بشأن ما زعمه المشركون من حرمة ذكور الأنعام تارة و اناثها اخرى، و اسناد تحريمهما إلى شريعة اللّه، افتراء عليه. فجاء ردّ مزعومتهم بالشكل التالي:
ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَ مِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ. وَ مِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَ مِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهذا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ[١].
خلاصة الاستدلال: إنّ اللّه تعالى هو الذي خلق الزوجين من الأنعام الذكر و الانثى- فهل كانت علّة تحريم ما ذكرتم هي الذكورية؟ و عليه فيلزم تحريم كلّ ذكر من الأنعام، و لا يخصّ بعضا دون بعض! و إن كانت علّة التحريم هي الانوثية فلازمه أيضا تحريم جميع الاناث من الأنعام! و إن كانت لأجل اشتمال الأرحام عليها فلازمه تحريم الصنفين معا ذكورا و اناثا! و عليه
[١] الأنعام: ١٤٣ و ١٤٤.