التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٨٧ - البحث الثاني
لقريش و من حذا حذوهم في تكذيب الرسول صلّى اللّه عليه [و آله] و سلّم (إيّاك أعني فاسمعي يا جارة) و إنما كرّر قوله «و قيل بعدا» و لم يكرّره في خطاب السماء فيقول (و قيل يا أرض و قيل يا سماء) من جهة أنّ السماء من جنس الأرض في مقصود الأمر منهما، و هو إزالة الماء عنهما، فاكتفى بإظهاره في إحداهما و حذفه من الاخرى، بخلاف قوله «بعدا» فإنه مصدر وجّه على جهة الدعاء، ليس مجانسا لما سبق، فلهذا كرّر القول فيه إعلاما بأنه من جملة القول، و اهتماما بالدعاء عليهم بالإبعاد عن الرحمة باستحقاق العقوبة السرمدية، أعاذنا اللّه منها برحمته فهذه جملة ما يتعلّق بالآية من العلوم البيانية، و تحتها أسرار أوسع ممّا ذكرناه.
البحث الثاني:
بالاضافة إلى موقعها من علم المعاني. اعلم أنّ منزلة المعنى من اللفظ هي منزلة الروح من الجسد، فكلّ لفظ لا معنى له فهو بمنزلة جسد لا روح فيه و مفهوم علم المعاني هو إدراك خواصّ مفردات الكلم بالتقديم و التأخير و فهم مركّباتها، و نعني بقولنا «إدراك خواصّ المفردات في التقديم و التأخير» ما يفهم من قولنا: زيد منطلق، و منطلق زيد، و من الكرام زيد، و زيد من الكرام و بقولنا «و فهم مركّباتها» هو ما في قولك: زيد قائم، و إنّ زيدا لقائم فكلّ واحد من هذه الصور يفيد معنى غير ما يفيده الآخر من أجل التركيب، و هكذا القول في جميع التراكيب، فإنها دالّة على معان بديعة، و مرشدة إلى أسرار عجيبة.
فإذا عرفت هذا فالنظر في هذه الآية- من جهة علوم المعاني- إمّا أن يكون نظرا في مفرداتها، و تقديم ما يقدّم منها و تأخير ما يؤخّر، و إمّا أن يكون نظرا في تركيب جملها، فهذان نظران نتصدّى للنظر فيهما.