التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٨٠ - تجسيم الأعمال و تجسيد المعنويات
إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَ مِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ[١] و وَ لَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَ الْإِنْجِيلَ وَ ما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ[٢] و من هذا النوع: كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً[٣] فهذا السواد الذي أصاب وجوههم ليس لونا و لا صبغة، و إنّما هو قطعة من الليل المظلم غشت وجوههم.
و من «التجسيم» وصف المعنوي بمحسوس، كوصف العذاب بأنّه غليظ وَ مِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ[٤] و اليوم بأنه ثقيل: وَ يَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلًا[٥].
فيتنقّل العذاب من معنى مجرد إلى شيء ذي غلظ و سمك. و ينتقل اليوم من زمن لا يمسك إلى شيء ذي كثافة و وزن.
و ضرب الأمثلة على المعنوي بمحسوس، كقوله: ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ[٦] لبيان أنّ القلب الانساني لا يتّسع لاتّجاهين. و مثل: وَ لا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً[٧] لبيان العبث في نقض العهد بعد المعاهدة. و مثل: وَ لا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً[٨] لتفظيع الغيبة، حتّى لكأنّما يأكل الأخ لحم أخيه الميّت.
و قد مرّ الكلام عن وجه هذا التشبيه.
ثم لمّا كان هذا التجسيم خطة عامّة، صوّر الحساب في الآخرة كما لو كان وزنا مجسّما للحسنات و السيّئات: وَ نَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ[٩]
[١] الأحزاب: ١٠.
[٢] المائدة: ٦٦.
[٣] يونس: ٢٧.
[٤] إبراهيم: ١٧.
[٥] الإنسان: ٢٧.
[٦] الأحزاب: ٤.
[٧] طاقات حلّ فتلها. سورة النحل: ٩٢.
[٨] الحجرات: ١٢.
[٩] الأنبياء: ٤٧.