التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٨ - ١ - دقيق تعبيره و رقيق تحبيره
في نسبة التبيان متفاوتة، و درجاتها في البلاغة متباينة غير متساوية، فمنها البليغ الرصين الجزل، و منها الفصيح القريب السهل، و منها الجائز المطلق الرسل.
و هذه أقسام الكلام الفاضل المحمود، دون الهجين المذموم، الذي لا يوجد في القرآن شيء منه البتة.
فالقسم الأول أعلى طبقات الكلام و أرفعه. و القسم الثاني أوسطه و أقصده. و القسم الثالث أدناه و أقربه. فحازت بلاغات القرآن من كل قسم من هذه الأقسام حصّة، و أخذت من كل نوع من أنواعها شعبة. فانتظم لها بامتزاج هذه الأوصاف نمط من الكلام يجمع صفتي الفخامة و العذوبة.
و هما على الانفراد في نعوتهما كالمتضادّين، لأنّ العذوبة نتاج السهولة، و الجزالة و المتانة في الكلام تعالجان نوعا من الوعورة، فكان اجتماع الأمرين في نظمه- مع نبوّ كل واحد منهما على الآخر- فضيلة خصّ بها القرآن.
و إنما تعذّر على البشر الإتيان بمثله لامور: منها أنّ علمهم لا يحيط بجميع أسماء اللغة العربية و بألفاظها التي هي ظروف المعاني و الحوامل لها، و لا تدرك أفهامهم جميع معاني الأشياء المحمولة على تلك الألفاظ، و لا تكمل معرفتهم لاستيفاء جميع وجوه النظوم التي بها يكون ائتلافها و ارتباط بعضها ببعض، فيتوصّلوا باختيار الأفضل عن الأحسن من وجوهها، إلى أن يأتوا بكلام مثله.
و إنما يقوم الكلام بهذه الأشياء الثلاثة: لفظ حامل، و معنى قائم به، و رباط لهما ناظم. و إذا تأمّلت القرآن وجدت هذه الامور منه في غاية الشرف و الفضيلة، حتى لا ترى شيئا من الألفاظ أفصح و لا أجزل و لا أعذب من ألفاظه، و لا ترى نظما أحسن تأليفا و أشدّ تلاؤما و تشاكلا من نظمه.
و أمّا المعاني فلا خفاء- على ذي عقل- أنها هي التي تشهد لها العقول بالتقدّم في أبوابها و الترقّي إلى أعلى درجات الفضل من نعوتها و صفاتها و قد توجد هذه الفضائل الثلاث على التفرّق في أنواع الكلام، فأمّا أن