التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٦٦ - أنواع الحذف
مواضع الحذف سوى أنه كلام صيغ في غاية الجودة و الاختصار، واف بالمقصود مع حسن الإيجاز.
و هذا من أحسن الحذف و أجمله، و هو في القرآن كثير جدّا. قال ابن جنّي:
في القرآن منه زهاء ألف موضع، و قد سردها الشيخ عزّ الدين في كتابه «المجاز» على ترتيب السور و الآيات[١].
منه قوله تعالى: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ[٢] لأنّ تعلّق الفعل بالزمان هو تعلّق المظروف بالظرف، لو لا أنّ في الآية حمل أحدهما على الآخر حمل اتحاد و هو من لطيف البيان و ظريفه، فلو قدّرت: وقت الحجّ أشهر، أو فعل الحجّ في أشهر، لذهبت برونق الكلام و جماله.
و منه تعلّق الأحكام التكليفية الشرعية بنفس الذوات، فإنه لا بدّ من تقدير فعل مناسب. و ذلك في مثل قوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَ الدَّمُ وَ لَحْمُ الْخِنْزِيرِ[٣]. و قوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَ بَناتُكُمْ وَ أَخَواتُكُمْ[٤] و قوله: أَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها[٥] فإنّ في هكذا تعابير لا يبدو عليها أثر التقدير، و ليست مثل قوله: وَ سْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها وَ الْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها[٦] البادي عليها أثر التقدير و كانت من مجاز الحذف لا محالة. على خلاف ما مثلنا به من آيات التحريم، إذ ليس فيها مجاز الحذف أصلا.
و منه أيضا قوله: وَ لكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ[٧]. فلو أردنا التقدير لكان:
و لكن ذا البرّ من آمن ... أو برّ من آمن. لكنه ليس كذلك، و إنما الجملة
[١] معترك الاقران: ج ١ ص ٣٢٣.
[٢] البقرة: ١٩٧.
[٣] المائدة: ٣.
[٤] النساء: ٢٣.
[٥] الأنعام: ١٣٨.
[٦] يوسف: ٨٢.
[٧] البقرة: ١٧٧.