التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٦٠٩
لأنزل اللّه سبحانه و تعالى عليها القرآن، إذ لا يحسن أن يقتصر المكلّف على أدنى البيانين مع قدرته على أعلاهما، و لأنّ في أعلى البيانين وجه الدلالة على صدق الرسول أقوى.
و إمّا أن يقال بأنّ القرآن و إن كان فصيحا بليغا ففي مقدور اللّه تعالى ما هو أعلى منه مرتبة في الفصاحة. فيقول المعترض: فهلّا أنزله من أوّله إلى آخره على أعلى مراتب الفصاحة التي ليس وراءها منتهى.
قال: فهذا دليل على أنّ العمدة في الإعجاز ليس اختصاصه بالفصاحة و البلاغة، لكن عجز و منع أحدثهما اللّه تعالى فلم يشتغلوا بالمعارضة.
و منها: أنّ اللّه تعالى أنزل القرآن و أودع فيه من العلوم ما علم أنّ حاجة الخلق تمسّ إليه إلى قيام الساعة، لا جرم بذل العلماء في كل نوع منه مجهودهم، و استفرغوا فيه جهدهم و وسعهم، فأهل الكلام- خصوصا أهل العدل و التوحيد- استظهروا في ما ذهبوا إليه من العدل و التوحيد بالآيات الواردة فيه على صحّة ما اعتقدوه، و على [إبطال] ما ذهب إليه أهل الأهواء و البدع و فساد ما انتحلوا.
و أهل الفقه غاصوا في بحور النصوص فاستنبطوا منها المعاني و فرّعوا الأحكام عليها.
و أهل التأويل خاضوا في محكمها و متشابهها، و مجملها و مفصّلها، و ناسخها و منسوخها.
و أهل النحو بسطوا الكلام في تصانيفهم بسطا، فكل أنفق على قدر ما رزق، ثمّ لم يبلغنا عن واحد منهم أنّه شمّر ذيله و ادّرع ليله[١] في بيان وجه الإعجاز على التفصيل سورة فسورة و آية فآية، فابتدأ مثلا بفاتحة الكتاب،
[١] يقال:« شمّر ذيلا و ادّرع ليلا» أي استعمل الحزم و اتّخذ الليل جملا.