التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٠ - نماذج من فوارق اللغة
قلت: و قد وجدت هذا المعنى على العكس، ممّا روي عن ابن مسعود، حدّثنا أحمد بن إبراهيم بن مالك عن عمر بن حفص السدوسي عن المسعودي عن جامع بن شدّاد عن أبي الشعثاء قال: قلت لعبد اللّه بن مسعود: يا أبا عبد الرحمن، إنّي أخاف أن أكون قد هلكت قال: و لم ذاك؟ قلت: لأني سمعت اللّه يقول: وَ مَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ[١] و أنا رجل شحيح لا يكاد يخرج من يدي شيء! قال: ليس ذاك الشحّ الذي ذكره اللّه في القرآن، و لكن الشحّ أن تأكل مال أخيك ظلما، و لكن ذاك البخل، و بئس الشيء البخل.
و أمّا (النعت و الصفة) فإنّ الصفة أعمّ و النعت أخصّ، و ذلك أنك تقول:
زيد عاقل و حليم، و عمرو جاهل و سفيه، و كذلك تقول: زيد أسود و دميم، و عمرو أبيض و جميل، فيكون ذلك صفة و نعتا لهما، و أمّا النعت فلا يكاد يطلق إلّا فيما لا يزول و لا يتبدّل، كالطول و القصر و السواد و البياض و نحوهما من الامور اللازمة.
و أمّا قول القائل لصاحبه: اقعد و اجلس، فقد حكي لنا عن النضر بن شميّل أنه دخل على المأمون عند مقدمه مرو، فمثل بين يديه و سلّم، فقال له المأمون: اجلس، فقال: يا أمير المؤمنين ما أنا بمضطجع فأجلس، قال: فكيف تقول؟ قال: قل: اقعد، فأمر له بجائزة.
قلت: و بيان ما قاله النضر بن شميّل إنّما يصحّ إذا اعتبرت إحدى الصفتين بالاخرى عند المقابلة، فتقول: القيام و القعود، كما تقول: الحركة و السكون، و لا نسمعهم يقولون: القيام و الجلوس، و إنما يقال: قعد الرجل عن قيام، و جلس عن ضجعة و استلقاء و نحو ذلك.
و أمّا قولك: (بلى و نعم) فإن بلى جواب عن الاستفهام بحرف النفي كقول
[١] الحشر: ٩.