التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٦٦ - الحلف بالتاء
و جاء التعبير الثاني في سورة فصّلت: وَ مِنْ آياتِهِ اللَّيْلُ وَ النَّهارُ وَ الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَ لا لِلْقَمَرِ وَ اسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ. فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَ النَّهارِ وَ هُمْ لا يَسْأَمُونَ. وَ مِنْ آياتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَ رَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ[١] أمّا لما ذا هذا الاختلاف في التعبير في المقامين؟
الجوّ في السياق الأول جوّ بعث و نشور و حشر أموات، فيتناسب معه تصوير الأرض «هامدة» لا حياة فيها و لا حركة و لا انتفاضة.
يقال: همدت النار أي خمدت و أطفأت و هدأت حرارتها و سكن لهيبها.
و همد الثوب: إذا بلي و تقطّع من طول البلى.
لكن الجوّ في السياق الثاني جوّ عبادة و ضراعة و خشوع و ابتهال إلى اللّه تعالى، فناسبه تصوير الأرض «خاشعة» خشوع الذلّ و الاستكان. يقال:
خشعت الأرض اذا يبست و لم تمطر.
و نكتة اخرى: لم تجىء «اهتزّت و ربت» هنا للغرض الذي جاءتا من أجله هناك. إنهما هنا تخيّلان حركة حاصلة عن خشوع، حركة تضاهي حركة العبّاد في عباداتهم، و من ثم لم تكن الأرض لتبقى وحدها خاشعة ساكنة، فاهتزّت لتشارك العابدين في حركاتهم التعبّدية وفق إرادة اللّه في الخلق.
الحلف بالتاء:
قوله تعالى: تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً[٢]
[١] فصّلت: ٣٧- ٣٩.
[٢] يوسف: ٨٥.