التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٠٧ - ٢ - عامية و خاصية
ينبسط وهج النار.
إنه تشبيه، فما أحلاه من تشبيه و استعارة، فما أجملها من استعارة! إنها غاية في الوفاء و آية في الأداء، و يزيدها بهاء و وفاء بكمال المقصود إسناد الاشتعال إلى الرأس، و إخراج الشيب مميّزا، دون إضافته إلى الرأس، إذ لو قال: و اشتعل شيب الرأس، لم يفهم منه تجلّل الرأس كلّه شيبا و إنارة، ليكون دليلا على بلوغ هرمه، فضلا عن إشعاره بموضع الشبه للاستعارة، فجاءت كاملة على طريقة التجريد أيضا، حسب البيان الآتي.
قال الشيخ عبد القاهر- بصدد بيان شرف النظم في الكلام-: و من دقيق ذلك و خفيّه أنك ترى الناس إذا ذكروا قوله تعالى: وَ اشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً لم يزيدوا فيه على ذكر الاستعارة و لم ينسبوا الشرف إلّا إليها، و لم يروا للمزية موجبا سواها.
هكذا ترى الأمر في ظاهر كلامهم، و ليس الأمر على ذلك، و لا هذا الشرف العظيم، و لا هذه المزية الجليلة، و هذه الروعة التي تدخل على النفوس عند هذا الكلام لمجرّد الاستعارة. و لكن لأن يسلك بالكلام طريق ما يسند الفعل فيه إلى الشيء، و هو لما هو من سببه، و ذلك أنّا نعلم أنّ «اشتعل» للشيب في المعنى، و إن كان هو للرأس في اللفظ. فلو غيّرته و أسندته إلى الشيب و أضفت الشيب إلى الرأس ليكون على حقيقته، و قلت «اشتعل شيب الرأس» أو «الشيب في الرأس»، فهل تجد ذلك الحسن، و تلك الفخامة؟ و هل ترى الروعة التي كنت تراها في الآية؟
و السبب في ذلك أنّ نظم الآية يفيد، مع لمعان الشيب في الرأس الذي هو الأصل، معنى آخر هو الشمول و الشيوع و أخذه في نواحيه، و أنه قد استقرّ به و عمّ جملته، حتى لم يبق من السواد شيء. و هذا المعنى لا يكون إذا قيل: اشتعل شيب