التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٦٢ - ٤ - تناسق نظمه و تناسب نغمه
التسلسل القصصي. و هذا كله ملحوظ. و في بعض الفواصل يبدو ذلك جليا مثل: «أ فرأيتم اللات و العزّى. و مناة الثالثة الاخرى». فلو أنك قلت: أ فرأيتم اللات و العزّى و مناة الثالثة لاختلّت القافية، و لتأثر الايقاع. و لو قلت: أ فرأيتم اللات و العزى و مناة الاخرى فالوزن يختل. و كذلك في قوله: أَ لَكُمُ الذَّكَرُ وَ لَهُ الْأُنْثى. تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى فلو قلت: أ لكم الذكر و له الانثى تلك قسمة ضيزى لاختلّ الايقاع المستقيم بكلمة «إذا» و لا يعني هذا أنّ كلمة «الاخرى» أو كلمة «الثالثة» أو كلمة «إذا» زائدة لمجرّد القافية أو الوزن، فهي ضرورية في السياق لنكت معنوية خاصّة و تلك ميزة فنيّة اخرى أن تأتي اللفظة لتؤدّي معنى في السياق، و تؤدّي تناسبا في الايقاع، دون أن يطغى هذا على ذاك، أو يخضع النظم للضرورات.
ملاحظة اتّزان الايقاع في الآيات و الفواصل تبدو واضحة في كل موضع على نحو ما ذكرنا أو قريبا من هذه الدقّة الكبرى. و دليل ذلك أن يعدّل في التعبير عن الصورة القياسية للكلمة الى صورة خاصّة، أو أن يبنى النسق على نحو يختلّ إذا قدّمت أو أخّرت فيه أو عدلت في النظم أيّ تعديل.
مثال الحالة الأولى حكاية قول إبراهيم:
قالَ أَ فَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ. أَنْتُمْ وَ آباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ. فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ. الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ. وَ الَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَ يَسْقِينِ. وَ إِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ. وَ الَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ. وَ الَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ[١].
فقد خطفت ياء المتكلّم في «يهدين و يسقين و يشفين و يحيين» محافظة على حرف القافية مع «تعبدون، و الأقدمون، و الدين ...» و مثله خطف الياء
[١] الشعراء: ٧٥- ٨٢.