التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥١٥ - الاسلوب الحكيم
الاسلوب الحكيم:
قال ابن معصوم: يشترك «القول بالموجب» و «الاسلوب الحكيم» في كون كل منهما من إخراج الكلام لا على مقتضى الظاهر، و يفترقان باعتبار الغاية.
فإنّ «القول بالموجب» غايته ردّ كلام المتكلّم و عكس معناه. و «الاسلوب الحكيم» هو تلقّي المخاطب بغير ما يترتّب، بحمل كلامه على خلاف مراده، تنبيها على أنه الأولى بالقصد. أو السائل بغير ما يتطلّب، بتنزيل سؤاله منزلة غيره، تنبيها على أنه الأولى بحاله و المهمّ له.
أمّا الأوّل: فكقول القبعثري للحجّاج: «مثل الأمير يحمل على الأدهم و الأشهب» و قد تقدم[١].
و أمّا الثّاني: فكثير منه في القرآن، و يعدّ من بدائع خطابه مع اولئك الأقوام الجهلاء بما يصلحهم و يناسب شأنهم.
من ذلك قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَ الْحَجِّ وَ لَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَ لكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى وَ أْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها وَ اتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ[٢].
كانوا سألوا عن الهلال ما باله يبدو دقيقا ثم لا يزال يزداد حجما حتى يكتمل بدرا، ثم يعود شيئا فشيئا حتى يصير كما بدأ؟ فاجيبوا: بما في الآية تنبيها على أنّ الذي ينفعهم و هو أهمّ بحالهم، و يكون وفق إدراكهم هو هذا، لا الذي سألوه.
و قوله تعالى:
[١] في هامش ٢ من صفحة ٥١٣.
[٢] البقرة: ١٨٩.