التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٧٨ - أعجب آية باهرة
الفصاحة اللفظية:
١- أمّا النظر فيها من جهة (علم البيان) و هو النظر فيما فيها من المجاز و الاستعارة و الكناية و ما يتصل بها فنقول:
إنه- عزّ سلطانه- لمّا أراد أن يبيّن معنى «أردنا أن نردّ ما انفجر من الأرض إلى بطنها فارتدّ، و أن نقطع طوفان السماء فانقطع، و أن نغيض الماء النازل من السماء فغاض، و أن نقضي أمر نوح- و هو انجاز ما كنّا وعدنا من إغراق قومه- فقضي، و أن نسوّي السفينة على الجوديّ فاستوت، و ابقينا الظلمة غرقى» بنى الكلام على تشبيه المراد بالمأمور الذي لا يتأتى منه- لكمال هيبته- العصيان، و تشبيه تكوين المراد بالأمر الجزم النافذ في تكوّن المقصود، تصويرا لاقتداره العظيم، و أنّ السماوات و الأرض و هذه الأجرام العظام تابعة لإرادته، إيجادا و إعداما، و لمشيئته فيها تغييرا و تبديلا، كأنهما عقلاء مميّزون قد عرفوه حقّ معرفته، و أحاطوا علما بوجوب الانقياد لأمره و الإذعان لحكمه، و تحتّم بذل المجهود عليهم في تحصيل مراده، و تصوّروا مزيد اقتداره، فعظمت مهابته في نفوسهم، و ضربت سرادقها في أفنية ضمائرهم. فكما يلوح لهم إشارته كان المشار إليه مقدّما، و كما يرد عليهم أمره كان المأمور به متمّما، لا تلقى لإشارته بغير الإمضاء و الانقياد، و لا لأمره بغير الإذعان و الامتثال.
ثم بنى على تشبيه هذا نظم الكلام، فقال- جلّ و علا: «قيل» على سبيل المجاز عن الإرادة الواقع بسببها قول القائل، و جعل قرينة المجاز الخطاب للجماد، و هو «يا أرض» و «يا سماء»، ثم قال- كما ترى- «يا أرض .. و يا سماء» مخاطبا لهما على سبيل الاستعارة للشبه المذكور.
ثم استعار لغئور الماء في الأرض «البلع» الذي هو إعمال الجاذبة في المطعوم، للشبه بينهما و هو الذهاب إلى مقرّ خفي.
ثم استعار «الماء» للغذاء استعارة بالكناية، تشبيها له بالغذاء، لتقوّي