التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٥٦ - النظر الثالث
تعالى: وَ مَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً[١] فليس واردا على جهة الإخبار فيهما جميعا، لأنه يلزم منه الكذب، و هو محال في كلامه تعالى، لأنّ كثيرا من الوالدات لا ترضع الحولين، بل تزيد و تنقص. و هكذا قد يدخل البيت من هو خائف، فلهذا وجب تأويله على جهة الإنشاء. و المعنى فيه: لترضع الوالدات أولادهنّ حولين على جهة الندب و الإرشاد الى المصالح. و هكذا قوله: وَ مَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً معناه ليأمن من دخله، و مخالفة الأوامر لا فساد فيها، و لا يلزم عليه محال، بخلاف الأخبار فإنه يلزم من مخالفتها الكذب، و لا يرد الإنشاء، و يكون في معنى الخبر، إلّا على جهة الندرة في مثل قولك: وجدت الناس (أخبر تقله) أي وجدت الناس يقال عندهم هذا القول، و السرّ في ذلك هو أنّ الإنشاء إذا ورد بمعنى الخبر فليس فيه مبالغة، بخلاف عكسه، فإنه يفيد المبالغة، و هو الدوام و الاستمرار كما مثّلناه في الآيتين اللتين تلوناهما.
و تحت هذه الامور- التي ذكرناها من هذا القسم في المسائل الخبرية و الطلبية، من المعاني القرآنية، و الأسرار التنزيلية، ممّا يكون متعلّقا بفنّ المعاني- ما لا يحصى عدّه، و لا يحصر حدّه، يدريه كلّ ألمعيّ نحرير، و يفهمه كلّ ذكيّ بصير، و لا يزداد على كثرة الردّ و المطالعة إلّا وضوحا و تقريرا.
النظر الثالث
في التعلّقات الفعلية، اعلم أنّ الفعل يذكر و له تعلّقات تخصّه من الذكر و الحذف و الشرط، و يذكر الفاعل و له تعلّقات تخصّه أيضا، و يذكر المفعول و له تعلّقات تخصّه من الذكر و الحذف، فهذه ضروب ثلاثة نذكر ما يخصّ كل واحد منها، و إنما صدّرنا هذا النظر بذكر تعلّقات الأفعال لما كان أصل
[١] آل عمران: ٩٧.