التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٦٦ - ٤ - تناسق نظمه و تناسب نغمه
و هذه هي طريقة الاستهواء الصوتي في اللغة، و أثرها طبيعيّ في كل نفس، فهي تشبه في القرآن الكريم أن تكون صوت إعجازه الذي يخاطب به كل نفس، سواء كانت تفهمه أو لا تفهمه.
فقد تألّفت كلماته من حروف، لو سقط واحد منها أو أبدل بغيره أو اقحم معه حرف آخر لكان ذلك خللا بيّنا، أو ضعفا ظاهرا في نسق الوزن و في جرس النغمة، و في حسّ السمع و ذوق اللسان، و في انسجام العبارة و براعة المخرج، و تساند الحروف و إفضاء بعضها إلى بعض. و لرأيت لذلك هجنة في السمع.
قالوا: إنّ مردّ هذا الإعجاز في القرآن بالدرجة الاولى هو ما يستثيره في القلب من إحساس غامض لمجرّد أن تصطفّ الحروف في السمع بهذا النمط الفريد، ذلك العزف بلا آلات و بلا قواف و بلا بحور و بلا أوزان.
حينما نصغي إلى ما يقوله زكريّا لربّه- فيما اقتصّ من القرآن:
رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَ اشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَ لَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا[١] أو نستمع إلى كلام المسيح في المهد صبيّا:
إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَ جَعَلَنِي نَبِيًّا. وَ جَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَ أَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَ الزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا[٢] أو تلك الجملة الموسيقية التي تتحدث عن خشوع الرسل:
إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَ بُكِيًّا[٣] أو تلك النغمة الرهيبة التي تصف اللقاء باللّه يوم القيامة:
[١] مريم: ٤.
[٢] مريم: ٣٠ و ٣١.
[٣] مريم: ٥٨.