التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٧ - نماذج من فوارق اللغة
و قولك: شرقت الشمس، يفيد خلاف غربت، و أشرقت يفيد أنها صارت ذات إشراق. و رعدت السماء أتت برعد، و أرعدت صارت ذات رعد.
فأمّا قول بعض أهل اللغة: إنّ «الشعر» بفتح العين و «الشعر» بسكونها و «النهر و النهر» كذلك بمعنى واحد، فإنّ ذلك لغتان.
و إذا كان اختلاف الحركات يوجب اختلاف المعاني فاختلاف المعاني نفسها أولى أن يكون كذلك.
و لهذا المعنى أيضا قال المحقّقون من أهل العربية: إنّ حروف الجرّ لا تتعاقب حتى قال ابن درستويه: في جواز تعاقبها إبطال حقيقة اللغة و إفساد الحكمة فيها و خلاف ما يوجبه العقل و القياس.
قال أبو هلال: و ذلك أنها اذا تعاقبت خرجت عن حقائقها و وقع كل واحد منهما بمعنى الآخر، فأوجب ذلك أن يكون لفظان مختلفان لهما معنى واحد، فأبى المحقّقون أن يقولوا بذلك، و قال به من لا يتحقّق المعاني.
و لعلّ قائلا يقول: إنّ امتناعك من أن يكون للفظين مختلفين معنى واحد ردّ على جميع أهل اللغة، لأنهم إذا أرادوا أن يفسّروا اللبّ قالوا: هو العقل، أو الجرح قالوا: هو الكسب، أو الكسب قالوا: هو الصبّ، و هذا يدلّ على أنّ اللبّ و العقل عندهم سواء، و كذلك الجرح و الكسب، و السكب و الصبّ، و ما أشبه ذلك.
قلنا: و نحن أيضا كذلك نقول، إلّا أنّا نذهب إلى أنّ قولنا: اللبّ- و إن كان هو العقل- فإنّه يفيد خلاف ما يفيد قولنا: العقل. و مثل ذلك القول، و إن كان هو الكلام و الكلام هو القول، فإنّ كل واحد منهما يفيد بخلاف ما يفيده الآخر. و كذلك جميع ما في هذا الباب.
و لهذا المعنى قال المبرّد: الفرق بين أبصرته و بصرت به، على اجتماعهما في الفائدة، أنّ بصرت به معناه أنك صرت بصيرا بموضعه و فعلت، أي انتقلت إلى