التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٥٦ - تجسيد المعاني الذهنية
فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌ.
ثم يعود إلى ذلك المعنى مرة اخرى فيقول:
مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ[١] فيرسم صورة الحرث تأخذه الريح فيها برد يضرب الزرع و الثمار فيهلكها، فلا ينال صاحب الحرث منه ما كان يرجو بعد الجهد فيه، كالذي ينفق ماله و هو كافر، و يرجو الخير فيما أنفق، فيذهب الكفر بما كان يرجوه و لا يفوتنا ما في جرس كلمة «صرّ» من تصوير لمدلولها، و كأنما هو قذائف صغيرة تنطلق على الحرث فتهلكه.
و يريد أن يبرز معنى: أنّ اللّه وحده يستجيب لمن يدعوه، و ينيله ما يرجوه، و أن الآلهة التي يدعونها مع اللّه لا تملك لهم شيئا، و لا تنيلهم خيرا و لو كان الخير قريبا، فيرسم لهذا المعنى هذه الصورة العجيبة:
لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ وَ ما هُوَ بِبالِغِهِ وَ ما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ.[٢] و هي صورة تلحّ على الحسّ و الوجدان، و تجتذب إليها الالتفات، فلا يستطيع أن يتحوّل إلّا بجهد و مشقّة، و هي من أعجب الصور التي تستطيع أن ترسمها الألفاظ: شخص حيّ شاخص، باسط كفّيه إلى الماء، و الماء منه قريب، يريد أن يبلغه فاه، و لكنه لا يستطيع. هكذا تخيب آمال الذين كفروا، و تضيع أعمالهم، لتبقى عليهم حسرات.
[١] آل عمران: ١١٧.
[٢] الرعد: ١٤.