التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٤٢ - تعبير بلفظ أم إفاضة بحياة؟
قدرته الفنية في بيانه و في إبداعه في فنون التصوير، يخلع عليها الحركة و الحياة و لم يعهد للعرب نظيره، و قد حاز قصب السبق في مضماره.
هذا هو الفجر ينبثق في مطلعه، لكنه في القرآن: وَ الصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ[١]. هذا هو الجديد في تعبير القرآن: الصبح حيّ يتنفّس، أنفاسه الإشعاع و النور و الضياء، و إفاضته الحركة و الحياة، حركة تدبّ معها كل حيّ عند الصباح. قال سيد قطب: و تكاد اللغة العربية بكل مأثوراتها التعبيرية لا تحتوي نظيرا لهذا التعبير عن الصبح[٢] و تكاد روية الفجر تشعر القلب المتفتّح أنه بالفعل يتنفّس، لأنّ الصبح اذا أقبل أقبل بإقباله روح و نسيم، كالمحتصر إذا زال غمّه يتنفّس الصعداء، و قد كلّ اللسان عن النطق بها. نعم يتنفّس الصبح تنفّس الأحياء و يصعد بأنفاسه، هي أنواره نحو آفاق السماء.
و هذا هو الليل له عسعسة أي حركة إلى الوراء لها صوت وَ اللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ[٣] أي أدبر و أخذ في التراجع إلى الوراء، كأنه يأخذ في الانهزام و التراجع إلى الخلف أمام هجمة أضواء النهار. انظر إلى هذين المقطعين «عس، عس» من كلمة «عسعس» كيف يوحيان بحركة حثيثة و منتظمة، لها حسيس، و كأنه من أثر اصطكاك أرجلها الثقيلة مع الحسائك المتيبّسة و لا سيّما في مثل ظلام الليل.
و مثله وَ اللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ. وَ الصُّبْحِ إِذا أَسْفَرَ[٤] و كأنّ الليل يولي مدبرا منهزما تجاه أسفار الصباح. و دقيقة اخرى: الفرق بين «إذ» في التعبيرين، و هو توقيت دبور الليل بوقت أسفار الصباح، و هكذا الليل لا يطيق النظر إلى وجه
[١] التكوير: ١٨.
[٢] في ظلال القرآن: ج ٨ ص ٤٨٢.
[٣] التكوير: ١٧.
[٤] المدّثر: ٣٣- ٣٤.