التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٧٦ - هل في القرآن سجع؟
المؤاتية على سبيل التمكين و الترصيف، لا أنّه المقصود بالذات و ما سواه مغفول عنه، كما حسبه الباقلّاني و من قبله الرمّاني.
و للأمير أبي محمد عبد اللّه بن محمّد، ابن سنان الخفاجي (توفي سنة ٤٦٦) ردّ لطيف على الرمّاني و الباقلّاني، و خصّ الأول بالذكر في كتابه «سرّ الفصاحة» إليك نصّه:
قال: و أمّا قول الرمّاني- إن السجع عيب، و الفواصل على الإطلاق بلاغة- فغلط. فإنّه إن أراد بالسجع ما يتبع المعنى، و كأنه غير مقصود بالذات، فذلك بلاغة بلا شك. كذلك الفواصل بلا فرق. و إن كان يريد بالسجع ما تقع المعاني تابعة له و يكون من المتكلّف به فذلك عيب، و كذلك الفواصل إذا تكلّف بها[١].
قال: و أظنّ أنّ الذي دعاهم إلى تسمية مقاطع الآيات في القرآن بالفواصل، و لم يسمّوا ما تماثلت حروف أواخره سجعا، هي رغبتهم في تنزيه القرآن عن الوصف الذي يلتحق بالمأثور من كلام الكهنة و غيرهم، فلم يرقهم نعت القرآن بما ينعت به كلام غيره و لا سيّما مثل كلام الكهنة المبتذلين.
و هذا الغرض يعود إلى مجرّد التسمية، و هو غرض قريب لا بأس به، إلّا أنّ
[١] قال العلّامة جار اللّه محمود بن عمر الزمخشري( توفي سنة ٥٢٨): لا تحسن المحافظة على الفواصل لمجرّدها، إلّا مع بقاء المعاني على سدادها، على النهج الذي يقتضيه حسن النظم و التئامه كما لا يحسن تخيّر الألفاظ المونقة في السمع السلسة على اللسان إلّا مع مجيئها منقادة للمعاني الصحيحة المنتظمة.
فأمّا أن تهمل المعاني و يهتمّ بتحسين اللفظ وحدة، غير منظور فيه إلى مؤداه على بال، فليس من البلاغة في فتيل أو نقير.
و مع ذلك يكون قوله: وَ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ و قوله: وَ مِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ لا يتأتى فيه ترك رعاية التناسب في العطف بين الجمل الفعلية إيثارا للفاصلة، لأنّ ذلك أمر لفظي لا طائل تحته.
و إنما عدل إلى هذا لقصد الاختصاص( نقلا عن كشّافه القديم. البرهان للزركشي: ج ١ ص ٧٢).