التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٥٨ - الضرب الثالث
قوله تعالى:- حكاية عن مريم (عليها السّلام): قالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَ لَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَ لَمْ أَكُ بَغِيًّا. قالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَ لِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَ رَحْمَةً مِنَّا وَ كانَ أَمْراً مَقْضِيًّا[١].
فقوله: وَ لِنَجْعَلَهُ آيَةً ... تعليل معلّله محذوف، أي: و إنما فعلنا ذلك لنجعله آية للناس. فذكر السبب الذي صدر الفعل من أجله، و هو جعله آية للناس، و دلّ به على المسبّب الذي هو الفعل.
و أمّا الاكتفاء بالمسبّب عن السبب فكقوله تعالى: فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ[٢]. أي: إذا أردت قراءة القرآن فاكتفى بالمسبّب الذي هو القراءة عن السبب الذي هو الإرادة.
و الدليل على ذلك أنّ الاستعاذة قبل القراءة، أي استعذ إذا قرأت، أي أردت القراءة.
و نظيره قوله تعالى: إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا ...[٣] لأنّ الوضوء قبل القيام إلى الصلاة.
و أيضا قوله: فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً[٤]. أي فضرب فانفجرت منه ... و تسمّى هذه الفاء فاء الفصيحة.
الضرب الثالث:
الإضمار على شريطة التفسير. بأن يحذف من الكلام شيء، و يكون في آخر الكلام ما يدلّ عليه من لفظه.
[١] مريم: ٢٠ و ٢١.
[٢] النحل: ٩٨.
[٣] المائدة: ٦.
[٤] البقرة: ٦٠.