التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٨٦ - (النظر الثاني) في الاستعارة
و من هذا قوله تعالى: إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ[١] و الرميم هو العظم البالي، استعير للإهلاك، و الأمثلة في التنزيل أكثر من أن تحصى بجانب الاستعارة.
الثاني: استعارة معقول من معقول بواسطة أمر معقول، و هذا كقوله تعالى:
مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا[٢] فالمستعار هو الرقاد، و المستعار له هو الموت، و الجامع بينهما هو سكون الأطراف و بطلان الحركة.
و هكذا قوله تعالى: وَ لَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ[٣] فوصف الغضب بالسكوت على جهة الاستعارة، فالمستعار هو السكوت، و المستعار له هو الغضب، و الجامع بينهما هو زوال الغضب، كما أنّ السكوت زوال الكلام، و هذه كلها امور عقلية.
و من هذا قوله تعالى: تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ[٤] فالتميّز هاهنا هو شدّة الغضب، فالمستعار منه هو حالة الإنسان عند غضبه، استعيرت للنار عند شدّة تلهّبها، و الجامع بينهما هو الحالة المتوهّمة عند شدّة الغيظ، فهي مستعارة للنار، اللّهمّ أجرنا منها برحمتك الواسعة.
و من هذا قوله تعالى: وَ قَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً[٥] ففيه استعارتان، الاولى منهما: قوله تعالى: وَ قَدِمْنا فإنما يستعمل في حقّ الغائب، فاستعير لعرض أعمال الكفّار على اللّه تعالى، و الجامع بينهما أمر معقول، و هو تصييرها إلى البطلان و التلاشي. و الثانية: قوله تعالى: فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً و الهباء حقيقته الغبار الثائر من الأرض عند دخول الشمس من الكوّة، و هو مستعار للأعمال الباطلة، و الجامع بينهما هو التلاشي و البطلان، و هذان المثالان حسّيان، لكنّا إنّما أوردناهما في هذا الضرب و إن كان استعارة
[١] الذاريات: ٤٢.
[٢] يس: ٥٢.
[٣] الأعراف: ١٥٤.
[٤] الملك: ٨.
[٥] الفرقان: ٢٣.