التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٩٥ - سطوع براهينه
و قوله: وَ هُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَ هُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ[١] إذ كان الخصم معترفا بأنّ اللّه هو الذي بدأ الخلق. إذا فالإعادة أهون من البداءة، لأنّها من شيء، و تلك لا من شيء.
و قوله تعالى: إِنَّكُمْ وَ ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ. لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها وَ كُلٌّ فِيها خالِدُونَ[٢].
كانت العرب تعترف بالمبدإ الأعلى و هو اللّه تعالى، و إنّما يعبدون الأوثان ليقرّبوهم إلى اللّه زلفى[٣] فكانوا يعتبرونهم آلهة صغارا، هم شفعاء و وسطاء بينهم و بين اللّه الكبير المتعال. تعاليم ورثوها من امم مجاورة: الفرس و الروم و اليونان.
فإذ قد تسلّموا بربوبيته تعالى، و أنه الحاكم على الخلائق أجمعين، فإنه يحكم بهؤلاء و ما يعبدون أنهم حصب جهنم. و لا يدخلها الأصاغر حقير، لا يملك شفاعة و لا يستحقّ عبادة.
و قوله: وَ لا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ[٤] فقد رتّب دخولهم الجنّة على ولوج الحبل الغليظ في خرم الابرة. و لمّا كان ذلك أمرا ممتنعا، كان ذاك أيضا مثله. فقد أبدى امتناع دخولهم الجنّة بهذا الشكل القياسي كناية بديعة.
و قوله: إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ. فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَ انْحَرْ[٥] فقد رتّب النتيجة على صغرى القياس مع حذف الكبرى لظهورها، و هي: أنّ من أعطاه اللّه
[١] الروم: ٢٧.
[٢] الأنبياء: ٩٨ و ٩٩.
[٣] إشارة إلى قوله تعالى: ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى( الزمر: ٣)
[٤] الأعراف: ٤٠.
[٥] الكوثر: ١ و ٢.