التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٤١ - ٢ - طرافة سبكه و غرابة اسلوبه
إنّ هذا لسرّ عجيب! كانت العرب تعرف أنه ليس بشعر و لا بسحر، و قد شهد بذلك كبراؤهم و زعماؤهم في الفصاحة و البيان. غير أنهم لمسوا فيه إناقة الشعر و روعته الخلابة، و وجدوا فيه تأثير السحر و نفاذه في مسارب القلوب. فإذ لم تذعن بأنه كلام اللّه العزيز الحميد، استكبارا و عنادا مع الحقّ الصريح وَ جَحَدُوا بِها وَ اسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَ عُلُوًّا[١] لجأت إلى الافتراء و قول الزور فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ.[٢].
و السجع: يطلق على طراز بلاغيّ خاصّ، تستخدم فيه فقرات قصيرة ذات كلمات مقفّاة، إلّا أنه مع هذا متميّز عن الشعر بأنه غير خاضع لقافية واحدة و لا لوزن خاصّ.
و لعلّ السجع أول اسلوب مختار ارتضاه العرب قبل أن يصطنعوا البحور المقيسة.
و هذا الاسلوب من التعبير، كثيرا ما كان الكهنة يستعملونه في نبوءاتهم أيام الجاهلية ... و إن كان هو الشائع أيضا بين الخطباء و أرباب الحكم من العرب الأوائل[٣].
و اشتهر في بلاد العرب جماعة كبيرة من الكهّان و الكواهن، أقدمهم شقّ و سطيح، و حكاياتهما أشبه بالخرافات منها بالحقائق[٤]. و من الكهّان الذين نبغوا
[١] النمل: ١٤.
[٢] يونس: ٣٢.
[٣] دائرة المعارف الاسلامية ج ١١ ص ٢٩٥. و راجع تاريخ الآداب العربية لجرجي زيدان: ج ١ ص ٢١٠- ٢١٢.
[٤] زعموا أنّ شقّا كان شق إنسان( نصفه) بيد واحدة و رجل واحدة و عين واحدة. و أنّ سطيحا كان لحما يطوى كما يطوى الثوب لاعظم فيه غير الجمجمة و وجهه في صدره. و زعموا أنّ هذين الكاهنين عاشا بضعة قرون ... إلى غير ذلك من الأوهام.