التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٨١ - التخلص و الاقتضاب و فصل الخطاب
أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ[١].
هذا تخلّص من التخلّصات الحسان، فإنّ اللّه تعالى ذكر الأنبياء و القرون الماضية إلى عهد موسى عليه السّلام، فلمّا أراد ذكر نبيّنا صلّى اللّه عليه و آله ذكره بتخلّص انتظم به بعض الكلام ببعض.
أ لا ترى أنه قال: قال موسى: و اكتب لنا في هذه الدنيا حسنة و في الآخرة، فأجيب بقوله تعالى: قال عذابي اصيب به من أشاء و رحمتي وسعت كلّ شيء فسأكتبها للّذين حالهم كذا و كذا، و صفتهم كيت و كيت. و هم الذين يتّبعون الرسول النبيّ الأمّي. ثم وصفه صلّى اللّه عليه و آله بصفاته ...
إلى آخر الكلام.
قال ابن الأثير: و يا للّه العجب كيف يزعم الغانمي أنّ القرآن خال من التخلّص!؟ أ لم يكفه سورة يوسف عليه السّلام فإنّها قصّة برأسها، و هي مضمّنة شرح حاله مع إخوته من أوّل أمره إلى آخره. و فيها عدّة تخلّصات في الخروج من معنى إلى معنى، و كذلك إلى آخرها.
و لو أخذت في ذكر ما في القرآن الكريم من هذا النوع لأطلت. و من أنعم نظره فيه وجد من ذلك أشياء كثيرة[٢].
قال بدر الدين الزركشي- ردّا على مزعومة الغانمي-:
و من أحسن أمثلته قوله تعالى: اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ ... الآية[٣] فإنّ فيها خمس تخلّصات، و ذلك أنه جاء بصفة النور و تمثيله، ثم تخلّص منه إلى ذكر الزجاجة و صفائها، ثمّ رجع إلى ذكر النور و الزيت يستمدّ منه، ثمّ تخلّص
[١] الأعراف: ١٥٥- ١٥٧.
[٢] المثل السائر: ج ٣ ص ١٢٨- ١٣٢.
[٣] النور: ٣٥.