التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٦٣ - ترسيم النموذج الإنساني
وَ لَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ[١].
و يريد أن يبيّن أنّ الإنسان لا يعرف ربّه إلّا في ساعة الضيق، حتى إذا جاءه الفرج نسى اللّه الذي فرّج عنه. و لكنه لا يقولها في مثل هذا النسق الذهني، إنّما يرسم صورة حافلة بالحركة المتجدّدة و المشاهد المتتابعة، و يرسم في خلالها «نموذجا إنسانيا» كثير التكرار في بني الانسان:
هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَ جَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَ فَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وَ جاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَ ظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ فَلَمَّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِ[٢].
و هكذا تحيا الصورة و تتحرّك، و تموج و تضطرب، و ترتفع الأنفاس مع تماوج السفينة و تنخفض، ثم تؤدّي في النهاية ذلك المعنى المراد أبلغ اداء و أوفاه.
و يريد أن يبرز حالة «نموذج» من الناس، ظاهرهم يغري و باطنهم يؤذي، فيرسم لهم صورة كما يأتي:
وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ يُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَ هُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ. وَ إِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَ يُهْلِكَ الْحَرْثَ وَ النَّسْلَ وَ اللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ[٣].
فيستعيض من الوصف الحركة و التصرّف، و يبرز المفارقة بين الظاهر و الباطن في نسق من الصور المتحرّكة في النفس و الخيال.
و فريق من الناس ضعيف العقيدة، ضعيف العزيمة، مستور الحال،
[١] الأنعام: ٧.
[٢] يونس: ٢٢ و ٢٣.
[٣] البقرة: ٢٠٤ و ٢٠٥.