التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٧٥ - الموسيقى الباطنة للقرآن
إنّ الآيات كلها تصر فيها الرياح و تسمع فيها اصطفاق الخيام و أعجاز النخل الخاوي و صورة الأرض الخراب.
و الصور القرآنية كلها تجدها مرسومة بهذه اللمسات السريعة و الظلال المحكمة و الألفاظ التي لها جرس و صوت و صورة.
و لهذه الأسباب مجتمعة كان القرآن كتابا لا يترجم.
إنه قرآن في لغته. أمّا في اللغات الاخرى فهو شيء آخر غير القرآن: إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا[١] و في هذا تحديد فاصل.
و كيف يمكن أن تترجم آية مثل: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى[٢] إننا لسنا أمام معنى فقط، و إنما نحن بالدرجة الاولى أمام معمار، أمام تكوين و بناء تنبع فيه الموسيقى من داخل الكلمات، من قلبها لا من حواشيها، من خصائص اللغة العربية و أسرارها و ظلالها و خوافيها. و لهذا انفردت الآية القرآنية بخاصيّة عجيبة.
إنها تحدث الخشوع في النفس بمجرّد أن تلامس الاذن و قبل أن يتأمّل العقل معانيها، لأنها تركيب موسيقيّ يؤثر في الوجدان و القلب لتوّه و من قبل أن يبدأ العقل في العمل.
فإذا بدأ العقل يحلّل و يتأمّل فإنه سوف يكتشف أشياء جديدة، و سوف يزداد خشوعا. و لكنها مرحلة ثانية، قد تحدث و قد لا تحدث، و قد تكشف لك الآية عن سرّها و قد لا تكشفه، و قد تؤتى البصيرة التي تفسّر بها معاني القرآن و قد لا تؤتى هذه البصيرة. و لكنك دائما خاشع لأنّ القرآن يخاطبك أولا كمعمار فريد من الكلام، بنيان، فورم. طراز من الرصف يبهر القلب، ألقاه عليك
[١] يوسف: ٢.
[٢] طه: ٥.