التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٠٦ - ٢ - عامية و خاصية
أنّ ما ينفع الناس من رسوبات المسيل و صفايا المصوغ هو الذي يبقى و يستمرّ في حياتهم، و أمّا الزبد و الرغاف فيذهب جفاء و هباء.
فهنا عدّة استعارات و تشبيهات متداخلة و مترابطة بعضها مع بعض، و بذلك اكتست حلّة قشيبة من الجمال.
أمّا الخاصّية الغريبة فهي ترتفع عن المستوى العام و لا يبلغ شأوها إلّا ذوو الأذهان المتوقّدة و الأفهام المرهفة الرقيقة. و لها شواهد كثيرة في القرآن:
قال تعالى- حكاية عن زكريا (عليه السّلام)-: رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَ اشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً[١] جاءت التكنية عن حلول مشيب عارض و عروض هرم بالغ، بتعبيرين، هما من أرقّ التعابير و أدقّها في هذا المجال:
أولا: كنّى عن الشيب البالغ بوهن العظم، و هو يلازم ضعف الشيب، فذكر العلّة الباطنة دليلا على المعلول الظاهر، فقد وضع يده على السبب الأول الموجب لاستيلاء الضعف على مشاعره و جوارحه، الآذن بالرحيل، و هي كناية أبلغ من التصريح.
و ثانيا: كنّى عن هرمه و كبر سنّه بتجلّل المشيب رأسه أجمع، لكنه استعار لذلك استعارة فائقة.
استعار لتهلّل البياض المتجلّل به شيب الرأس، و هيج النار، و هي استعارة غريبة لم تعرفه العامّة و لم يسبق لها نظير في كلام العرب.
إنّ لبياض الشيب تشعشعا بالنور لدى النظر إليه، شأن كل بياض يعكس بالنور المشعّ عليه، فيندفق النور من حوله، كما يفيض الماء من جوانب الإناء، و كما يلتهب شواظ النار عند توقّد الاشتعال. و هكذا ينبسط ضياء المشيب كما
[١] مريم: ٤.