التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٠٦ - الاستدلال في القرآن مزيج اسلوبين الخطابة و البرهان إمتاع العقل و النفس معا
وَ إِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَ يَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ وَ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما مَعَهُمْ[١].
امتنعت اليهود من اعتناق الإسلام بحجّة أنّهم على طريقة نبيّهم موسى (عليه السّلام) و على شريعته، و لذلك لا يمكنهم اتّخاذ سيرة اخرى و الإيمان بشريعة سواها.
هذا اعتذار زعمت اليهود وجاهته في منابذة الإسلام ... و قد فنّد القرآن هذا التذرّع الكاسد و الاحتجاج الفاسد. إذ لا منافرة بين الشريعتين و لا منافاة بين الطريقين، و الكل يهدف مرمى واحدا و يرمي هدفا واحدا. و قد جاء الأنبياء جميعا لينيروا الدرب إلى صراط اللّه المستقيم، صراطا واحدا و هدفا واحدا، لا تنافر و لا تنافي و لا تعدّد و لا اختلاف.
و الدليل على ذلك أنّ هذا القرآن يصدّق بأنبياء سالفين و بشرائعهم و كتبهم و ما بلّغوا من رسالات اللّه، و لو كان هناك تناف و تنافر لما صحّ هذا التصديق.
و قد جاء هذا التصديق بلفظة مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ في ثمانية مواضع من القرآن[٢].
و بلفظة مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ في ثلاثة مواضع[٣].
و بلفظة مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ في ثلاثة مواضع[٤].
و من ثمّ قال: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ وَ مَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ ....
فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَ مَنِ اتَّبَعَنِ ....
وَ قُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَ الْأُمِّيِّينَ أَ أَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَ إِنْ
[١] البقرة: ٩١.
[٢] البقرة: ٩٧، آل عمران: ٣، المائدة: ٤٦ مرّتين و ٤٨، الأنعام: ٩٢، فاطر: ٣١، الأحقاف: ٣٠.
[٣] البقرة: ٨٩ و ٩٠ و ١٠١.
[٤] البقرة: ٤١، آل عمران: ٨١، النساء: ٤٧.