التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٠٤ - الاستدلال في القرآن مزيج اسلوبين الخطابة و البرهان إمتاع العقل و النفس معا
خصائصه و مميّزاته هي التي لا تدعه أن يبخل، فكأنّك قلت: (إنّك لا تبخل، لأنّك حامل في طيّك صفات و نعوتا تمنعك من البخل).
و هكذا جاءت الآية الكريمة: إنّ من كان على أوصاف الالوهية الكاملة فإنّ هذا الكمال و الاستجماع لصفات الكمال هو الذي يجعل وجود المثيل له ممتنعا (بالبيان المتقدّم).
و عليه، فليست الكاف زائدة، كما زعم البعض، لأنّ المثل- على مفروض البيان- إشارة إلى تلك الصفات و السمات التي تحملها الذات المقدّسة. و لم يكن المراد من المثل التشبيه، فهو بمنزلة (هو) محضا.
فكان المعنى: ليس يشبه مثله تعالى شيء، أي ليس يشبهه في كمال أوصافه و نعوته شيء.
قال الاستاذ درّاز: الآية لا ترمي نفي الشبيه له تعالى فحسب، إذ كان يكفي لذلك أن يقول: (ليس كاللّه شيء) أو (ليس مثله شيء)، بل ترمي وراء ذلك دعم النفي بما يصلح دليلا على الدعوى و الإنعات إلى وجه حجّة هذا الكلام و طريق برهانه العقلي، أ لا ترى أنّك إذا أردت أن تنفي نقيصة عن إنسان فقلت: (فلان لا يكذب) أو (لا يبخل) كان كلامك هذا مجرّد دعوى لا دليل عليها. أمّا إذا زدت كلمة المثل و قلت: (مثل فلان لا يكذب) أو (لا يبخل) فكأنّك دعمت كلامك بحجّة و برهان، إذ من كان على صفاته و شيمه الكريمة لا يكون كذلك، لأنّ وجود هذه الصفات و النعوت ممّا تمنع الاستفسال إلى رذائل الأخلاق. و هذا منهج حكيم وضع عليه اسلوب كلامه تعالى. و أنّ مثله تعالى ذا الكبرياء و العظمة لا يمكن أن يكون له شبيه، أو أنّ الوجود لا يتّسع لاثنين من جنسه[١].
[١] النبأ العظيم: ص ١٢٨.