التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٨٣ - البحث الأول
و للأمير يحيى بن حمزة العلوي أيضا بيان لطيف عن أسرار هذه الآية، و عن مزاياها البلاغية، على اسلوبه الفني البديع، ذكر محاسنها و روائعها مجملة أولا، و عقبها بذكر التفاصيل في مباحث خمسة.
أمّا الاجمال فقد أوردناه عقيب كلامه عن الأوجه الأربعة الراجعة إلى الفصاحة اللفظية من البيان. و إليك الآن تفصيله، قال:
و الإحاطة لمعانيها على جهة التفصيل ممّا لا تقدر عليه القوى البشرية، و لكنا نرمز إلى ما يحضرنا من لطائفها، و نشير من ذلك إلى مباحث خمسة:
البحث الأوّل:
بالإضافة الى موقعها من علم البيان. اعلم أنّ علم البيان من عوارض الألفاظ، و مورده المجاز على أنواعه، و معناه إيراد المعنى الواحد في طرق مختلفة في وضوح الدلالة عليه و النقصان، فعلى قدر إغراق المجاز و حسنه يزيد المعنى وضوحا، و على قدر نزوله و بعده ينتقص المعنى، فالنظر في هذه الآية من جهة ما اشتملت عليه من الأنواع المجازية كالاستعارة و التشبيه و الكناية، فنقول:
إنّ اللّه عزّ سلطانه لمّا أراد أنّ يظهر فائدة الخطاب اللغويّ- و هو أنّا نريد أن نردّ ما انفجر من الأرض الى بطنها فارتدّ، و أن نقطع طوفان الماء فانقطع، و أن نغيض الماء النازل من السماء فغاض، و أن نقضي أمر نوح و هو إنجاز ما كنّا وعدنا من إغراق قومه فقضي، و أن تقرّ السفينة على الجوديّ فاستقرّت، و أن نلقى الظلمة غرقى، و أن نبعدهم عن رحمتنا بالعقوبة، فلمّا أراد اللّه تعالى أن يؤدّي هذه المعاني اللغوية على أساليب العلوم البيانية، باستعماله المجازات فيها، و ترك العبارات اللغوية جانبا- فلا جرم ساق الكلام على أحسن سياق بتشبيه المراد منه هذه الامور بالمأمور الذي لا يتأتى منه التأخير عمّا اريد منه، لكمال الأمر و جلال هيبته و نفوذ سلطانه، و شبّه تكوين المراد بالأمر الحتم النافذ في