التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٥٥ - ٣ - عذوبة ألفاظه و سلاسة عباراته
و ينبّه الفكر على قيمة الرحمة فيه. و ذلك كلّه طبعي في بلاغة الآية كما ترى.
و المراد بالثانية تصوير الفصل الذي كان بين قيام البشير بقميص يوسف و بين مجيئه، لبعد ما كان بين يوسف و أبيه (عليهما السّلام) و أنّ ذلك كأنه كان منتظرا بقلق و اضطراب[١] تؤكّدهما و تصف الطرب لمقدمه و استقراره غنّة هذه النون في الكلمة الفاصلة، و هي: «أن» في قوله «أن جاء ...».
و على هذا يجري كل ما ظنّ أنّه في القرآن مزيد، فإنّ اعتبار الزيادة فيه و إقرارها بمعناها إنما هو نقص يجلّ القرآن عنه، و ليس يقول بذلك إلّا رجل يعتسف الكلام و يقضي فيه بغير علمه أو بعلم غيره ... فما في القرآن حرف واحد إلّا و معه رأي يسنح في البلاغة- من جهة نظمه، أو دلالته، أو وجه اختياره- بحيث يستحيل البتة أن يكون فيه موضع قلق أو حرف نافر أو جهة غير محكمة أو شيء ممّا تنفذ في نقده الصنعة الانسانية من أيّ أبواب الكلام إن وسعها منه باب.
و ممّا يدلّ على أن نظم القرآن مادة فوق الصنعة و من وراء الفكر، و لا يسعه طوق إنسان في نظم الكلام البليغ، و كأنها صبّت على الجملة صبّا، أنك ترى بعض الألفاظ لم يأت فيه إلّا بصيغة الجمع و لم يستعمل بصيغة الإفراد، فاذا احتيج إلى صيغة المفرد استعمل مرادفها. كلفظة «اللبّ» لم ترد إلّا مجموعة «إنّ في ذلك لذكرى لأولي الألباب». «ليذّكّر اولوا الألباب» و نحوهما[٢] و لم تجىء فيه مفردة، بل جاء مكانها «القلب»[٣] أو «الفؤاد»[٤].
[١] ينبه على ذلك قوله تعالى قبل ذلك عن لسان يعقوب: إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ( يوسف: ٩٤).
[٢] في ستة عشر موضعا من القرآن جاءت اللفظة بصيغة الجمع فقط، و لم تأت إفرادا أبدا.
[٣] في تسعة عشر موضعا إمّا مقطوعا أو مضافا.
[٤] في خمسة مواضع مقطوعا و مضافا.