التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٩٦ - الاستعارة المفيدة
منه و نقله عن أصله و جاز به موضعه. و بذلك قد فاته لطف الخصوصية الملحوظة عند الوضع.
كقول العجاج: «و فاحما و مرسنا مسرّجا»[١] أراد بالمرسن أنف الممدوح، و هو في الأصل اسم لأنف الحيوان، لأنه موضع الرسن. لكنّه تغافل عن هذه الخصوصية المناسبة لأصل الوضع، و توهّمه اسما لمطلق الأنف المشترك، و استعاره لأنف الممدوح، تنوّقا و توسّعا في الكلام. و لا يخفى مدى ابتعاد هذه الاستعارة عن الظرافة و اللطف، إن لم تكن قريبة من الوهن و القباحة.
و قال آخر، يصف إبلا:
|
تسمع للماء كصوت المسحل |
بين وريدها و بين الجحفل[٢] |
|
فاستعار الجحفل لشفّة البعير، و هو موضوع لشفّة الفرس من غير فائدة لذلك.
و قال آخر: و الحشو[٣] من حفّانها كالحنظل فأجرى الحفّان على صغار الابل، و هو موضوع لصغار النعام.
و قال آخر:
|
فبتنا جلوسا لدى مهرنا |
ننزع من شفتيه الصفارا[٤] |
|
فاستعمل الشفة في الفرس، و هي موضوعة للانسان.
فهذا النوع من الاستعارة لا يفيد شيئا سوى استعمال لفظة مكان اخرى تفنّنا في العبارة، من قبيل الألفاظ المترادفة، في حين عدم الترادف. بل الاستعارة هاهنا بأن تنقص الكلام جزء من الفائدة أشبه. لأنّ معنى الاستعارة
[١] صدره:« و مقلة و حاجبا مزجّجا» المقلة: العين. و المزجّج: المدقّق المطوّل.
[٢] المسحل: آلة السحل أي النحت كالمبرد.
[٣] الحشو: صغار الابل.
[٤] الصفار: القراد. و ما بقي في أصول أسنان الدابّة من تبن و نحوه.