التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٤٨ - فوائد التمثيل
فوائد و حكم شتّى ذكرها أرباب البيان:
قال الشيخ عبد القاهر الجرجاني: اتّفق العقلاء على أنّ التمثيل إذا جاء في أعقاب المعاني أو برزت هي باختصار في معرضه، و نقلت عن صورها الأصلية إلى صورة التمثيل، كساها ابّهة، و كسبها منقبة، و رفع من أقدارها، و شبّ من نارها، و ضاعف قواها في تحريك النفوس لها، و دعا القلوب إليها، و استنار لها من أقاصي الأفئدة صبابة و كلفا، و قسر الطباع على أن تعطيها محبة و شغفا.
ثمّ جعل يعدّد فوائده في أنواع الكلام، مدحا أو ذمّا، حجاجا أو فخارا أو اعتذارا، أو وعظا و إرشادا، و نحو ذلك. قال:
فإن كان مدحا كان أبهى و أفخم، و أنبل في النفوس و أعظم، و أهزّ للعطف، و أسرع للالف، و أجلب للفرح، و أغلب على الممتدح، و أوجب شفاعة للمادح، و أقضى له بغرّ المواهب و المنائح، و أسير على الألسن و أذكر، و أولى بأن تعلّقه القلوب و أجدر.
و مثاله في القرآن قوله تعالى- في وصف المؤمنين الذين ثبتوا على الايمان و الجهاد في سبيله صفّا كأنّهم بنيان مرصوص-: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَ الَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَ رِضْواناً سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَ مَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ[١].
فقد شبّه صلابة الايمان بزرع نمى فقوى، فخرج فرخه من قوته و خصوبته، فاشتدّ و استغلظ الزرع، و ضخمت ساقه و امتلأت، فاستوى و ازدهر. الأمر الذي يبعث على الابتهاج و الإعجاب من جهة، و إغاظة الكفار من جهة اخرى.
[١] الفتح: ٢٩.