التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٥٠ - فوائد التمثيل
فقد شبّه النبي (صلّى اللّه عليه و آله) في إبلاغ دعوته للمشركين بمن يرمي بقذائفه إلى قلاع مبنية من زجاجات سريعة التكسّر و الانهيار.
قال: و إن كان ذمّا كان مسّه أوجع و ميسمه ألذع، و وقعه أشدّ و حدّه أحدّ، كما جاء في قوله تعالى- في تصوير حالة من اوتي الهداية فرفضها لغيّه و انسلخ منها-: فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ[١] إنه من التمثيل الرائع و في نفس الوقت لاذع، إنّه يمثّل مشهد إنسان يؤتيه اللّه آياته و يخلع عليه من فضله و يعطيه الفرصة للاكتمال و الارتفاع ... و لكن، ها هو ذا ينسلخ من هذا كله انسلاخا، كمن ينسلخ عن أديم جلده بجهد و مشقة، و يتجرّد من الغطاء الواقي و الدرع الحامي، و يهبط من الافق العالي إلى سافل الأرض، فيصبح غرضا للشيطان، لا وقاية و لا حمى، و إذا هو العوبة أو كرة قدم تتقاذفه الأقدار، لا إرادة له و لا اختيار، فمثله كمثل كلب هراش لا صاحب له، و يلهث[٢] من غير هدف. و يتضرّع من غير أن يجد من يشفق عليه.
و هكذا جاء تصويره لمن حمّل ثقل الحقّ و لا يهتدي به بالحمار يحمل أسفارا، هي أفضل ودائع الإنسان، يئنّ بثقلها و لا يعي شرف محتواها: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً[٣] فقد كلّفوا حمل أمانة اللّه في الأرض، لكن القلوب الحيّة الواعية هي التي تطيق عبء هذه الأمانة، و قد افتقدها هؤلاء فلم يصلحوا لحملها و مرافقتها
[١] الأعراف: ١٧٦.
[٢] اللهث: دلع اللسان عطشا أو تعبا.
[٣] الجمعة: ٥.