مرآة الكمال - المامقاني، الشيخ عبد الله - الصفحة ٣١٢ - و منها
السّلام-مع كونه بدينا شيخا-قد خرج لإصلاح أمر البستان، فقيل له في ذلك، فأجاب عليه السّلام بما يدلّ على رجحان مثله [١] كما مرّ الخبر الناطق بذلك في أوائل المقام الأول من الفصل التاسع.
و حدّ الزهد في الدنيا المحبوب إنّما هو عدم عقد القلب بالمال و الشرف و نحوهما من علايق الدّنيا، و عدم قطع الثقة باللّه بسبب المال، و ترك الزوائد عن مقدار تعيّش أواسط الناس، كما يستفاد ذلك كلّه من كلمات أهل بيت العلم و العصمة سلام اللّه عليهم أجمعين. فقال أمير المؤمنين عليه السّلام: إنّ الزهد بين كلمتين من القرآن، قال اللّه تعالى لِكَيْلاََ تَأْسَوْا عَلىََ مََا فََاتَكُمْ وَ لاََ تَفْرَحُوا بِمََا آتََاكُمْ [٢] ، فمن لم ييأس على الماضي و لم يفرح بالآتي فقد استكمل الزهد بطرفيه [٣] . و قال عليه السّلام أيضا تارة: إنّ الزهد في الدنيا تنكيب حرامها [٤] .
[١] الكافي: ٥/٧٣ باب ما يجب من الاقتداء بالأئمة عليهم السّلام في التعرض للرزق حديث ١، بسنده عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: إنّ محمد بن المنكدر كان يقول: ما كنت أرى أنّ علي بن الحسين عليه السّلام يدع خلفا أفضل منه حتى رأيت ابنه محمد بن علي عليهما السّلام، فأردت أن اعظه فوعظني، فقال له أصحابه: بايّ شيء وعظك؟قال: خرجت إلى بعض نواحي المدينة في ساعة حارّة فلقيني أبو جعفر محمد بن علي-و كان رجلا بادنا ثقيلا و هو متّكىء على غلامين أسودين أو موليين-فقلت في نفسي: سبحان اللّه-شيخ من أشياخ قريش في هذه الساعة على هذه الحال في طلب الدنيا؟!أما لأعظنّه، فدنوت منه فسلّمت عليه فردّ عليّ السّلام بنهر[اي بزجر]و هو يتصابّ عرقا، فقلت: أصلحك اللّه!شيخ من أشياخ قريش في هذه الساعة على هذه الحال في طلب الدنيا أ رأيت لو جاء أجلك و أنت على هذه الحال ما كنت تصنع؟فقال: لو جاءني الموت-و أنا على هذه الحال-جاءني و أنا في طاعة من طاعة اللّه عزّ و جلّ اكفّ بها نفسي و عيالي عنك و عن الناس، و إنّما كنت أخاف أن لو جاءني الموت و أنا على معصية من معاصي اللّه، فقلت: صدقت يرحمك اللّه، أردت أن أعظك فوعظتني.
[٢] سورة الحديد: ٢٣.
[٣] نهج البلاغة: ٣/٢٥٨ برقم ٤٣٩.
[٤] معاني الأخبار: ٢٥١ باب معنى الزهد حديث ١.