الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٤١٩ - تأويل آية
لمّا قصدوا بتعلّمه أن يفعلوه و يرتكبوه، لا أن يجتنبوه صار ذلك لسوء اختيارهم ضررا عليهم.
و ثانيها أن يكون مََا أُنْزِلَ موضعه موضع جرّ؛ فيكون معطوفا بالواو على مُلْكِ سُلَيْمََانَ ؛ و المعنى: و اتبعوا ما كذب به الشياطين على ملك سليمان، و على ما أنزل على الملكين؛ و معنى مََا أُنْزِلَ عَلَى اَلْمَلَكَيْنِ أى معهما، و على ألسنتهما؛ كما قال تعالى:
رَبَّنََا وَ آتِنََا مََا وَعَدْتَنََا عَلىََ رُسُلِكَ ؛ [آل عمران: ١٩٤]، أى على ألسنتهم و معهم.
و ليس بمنكر أن يكون مََا أُنْزِلَ معطوفا على مُلْكِ سُلَيْمََانَ و إن اعترض بينهما من الكلام ما اعترض؛ لأن ردّ الشيء إلى نظيره، و عطفه على ما هو أولى هو الواجب، و إن اعترض بينهما ما ليس منهما؛ و لهذا نظائر فى القرآن و كلام العرب كثيرة، قال اللّه تعالى:
اَلْحَمْدُ لِلََّهِ اَلَّذِي أَنْزَلَ عَلىََ عَبْدِهِ اَلْكِتََابَ وَ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً. `قَيِّماً ؛ [الكهف: ١، ٢] و «قيّم» من صفات الكتاب حال منه، لا من صفة «عوج» ، و إن تباعد ما بينهما، و مثله قوله: يَسْئَلُونَكَ عَنِ اَلشَّهْرِ اَلْحَرََامِ قِتََالٍ فِيهِ قُلْ قِتََالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَ صَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اَللََّهِ وَ كُفْرٌ بِهِ وَ اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرََامِ وَ إِخْرََاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اَللََّهِ وَ اَلْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ اَلْقَتْلِ ؛ [البقرة: ٢١٧]، فالمسجد هاهنا معطوف به على الشهر الحرام، أى يسألونك عن القتال فى الشهر الحرام و عن المسجد الحرام.
و حكى عن بعض علماء أهل اللغة أنه قال: العرب تلفّ الخبرين المختلفين، ثم ترمى بتفسيرهما جملة؛ ثقة بأنّ السامع يردّ إلى كلّ خبره؛ كقوله تعالى: وَ مِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اَللَّيْلَ وَ اَلنَّهََارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ ؛ [يونس: ٦٧]، و هذا واضح فى مذهب العرب، كثير النظائر.
ثم قال: وَ مََا يُعَلِّمََانِ مِنْ أَحَدٍ حَتََّى يَقُولاََ إِنَّمََا نَحْنُ فِتْنَةٌ ، و المعنى أنهما لا يعلّمان أحدا، بل ينهيان عنه، و يبلغ من نهيهما عنه و صدّهما عن فعله و استعماله أن يقولا: إِنَّمََا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاََ تَكْفُرْ باستعمال السحر و الإقدام على فعله، و هذا كما يقول الرجل: ما أمرت فلانا بكذا، و لقد بالغت فى نهيه حتى قلت له: إنك إن فعلته أصابك كذا و كذا؛ و هذا