الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣١٦ - تأويل آية
الرشد، من حيث كانت وصلة إلى الرّشد، و ذريعة إلى حصوله، و يكون سبيل الغىّ هى الشبهات و المخاريق التى ينصبها المبطلون و المدغلون فى الدين؛ ليوقعوا بها الشبهة على أهل الإيمان، و تسمّى سبيل الغىّ، و إن كان النظر فيها لا يوجب حصول الغىّ من حيث كان المعلوم ممّن تشاغل بها، و اغترّ بأهلها أنه يصير إلى الغىّ.
و الوجه الثانى أن يكون المراد بالرؤية العلم؛ إلا أن العلم لم يتناول كونها سبيلا للرّشد، و كونها سبيلا للغىّ؛ بل يتناولها لا من هذا الوجه؛ أ لا ترى أن كثيرا من المبطلين يعلمون مذاهب أهل الحق و اعتقاداتهم و حججهم؛ إلا أنهم يجهلون كونها صحيحة مفضية إلى الحق، فيجتنبونها؛ و كذلك يعلمون مذاهب المبطلين و اعتقاداتهم الباطلة الفاسدة، إلا أنهم يجهلون كونها باطلة، و يعتقدون صحتها بالشبهة فيصيرون إليها؟و على هذا الوجه لا يجب أن يكون تعالى وصفهم بالعناد و ترك الحق مع العلم به.
و الوجه الثالث أن يكونوا عالمين بسبيل الرشد و الغىّ، و مميزين بينهما؛ إلا أنهم للميل إلى أعراض الدنيا، و الذّهاب مع الهوى و الشهوات يعدلون عن الرشد إلى الغىّ، و يجحدون ما يعلمون، كما أخبر بها عن كثير من أهل الكتاب بأنهم يجحدون الحقّ و هم يعلمونه و يستيقنونه.
فإن قيل: فما معنى قوله تعالى: ذََلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيََاتِنََا وَ كََانُوا عَنْهََا غََافِلِينَ ، /و التكذيب لا يكون فى الحقيقة إلا فى الأخبار دون غيرها؟
قلنا: التكذيب قد يطلق فى الأخبار و غيرها؛ أ لا ترى أنهم يقولون: فلان يكذّب بكذا إذا كان يعتقد بطلانه، كما يقولون: يصدّق بكذا إذا كان يعتقد صحته؟و لو صرفنا التكذيب هاهنا إلى أخبار اللّه تعالى التى تضمنتها كتبه الواردة على أيدى رسله عليهم السلام جاز؛ و تكون الآيات هاهنا هى الكتب المنزلة دون سائر المعجزات.
فإن قيل: فما معنى ذمّه تعالى لهم بأنهم كانوا عن الآيات غافلين، و الغفلة على مذاهبكم