الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٤٥ - تأويل خبر
تأويل خبر : «لا تسبّوا الدّهر، فإنّ الدّهر هو اللّه» .
روى عن النبىّ صلى اللّه عليه و آله أنه قال: «لا تسبّوا الدّهر، فإنّ الدّهر [١] هو اللّه» .
و قد ذكر قوم فى تأويل هذا الخبر أنّ المراد به لا تسبّوا الدهر، فإنه لا فعل له، و إنّ اللّه مصرّفه و مدبّره، فحذف من الكلام ذكر المصرّف و المدبّر و قال: «هو الدهر» .
و فى هذا الخبر وجه هو أحسن من ذلك الّذي حكيناه، و هو أنّ الملحدين، و من نفى الصانع من العرب كانوا ينسبون ما ينزل بهم من أفعال اللّه تعالى كالمرض و العافية، و الجدب و الخصب، و البقاء و الفناء إلى الدّهر، جهلا منهم بالصّانع جلّت عظمته، و يذمّون الدهر و يسبّونه فى كثير من الأحوال، من حيث اعتقدوا أنه الفاعل بهم/هذه الأفعال، فنهاهم النبىّ صلى اللّه عليه و آله عن ذلك و قال لهم: لا تسبّوا من فعل بكم هذه الأفعال ممّن تعتقدون أنه هو الدّهر، فإن اللّه تعالى هو الفاعل لها. و إنما قال: إنّ اللّه هو الدهر من حيث نسبوا إلى الدّهر أفعال اللّه؛ و قد حكى اللّه تعالى عنهم قولهم: مََا هِيَ إِلاََّ حَيََاتُنَا اَلدُّنْيََا نَمُوتُ وَ نَحْيََا وَ مََا يُهْلِكُنََا إِلاَّ اَلدَّهْرُ [الجائية: ٢٤]. و قال لبيد:
فى قروم سادة من قومه # نظر الدّهر إليهم فابتهل [٢]
أى دعا عليهم. و قال عمرو بن قمئة [٣] :
كأنّى و قد جاوزت تسعين [٤] حجّة # خلعت بها عنّى عذار لجامى [٥]
على الرّاحتين مرّة و على العصا # أنوء ثلاثا [٦] بعدهنّ قيامى
رمتنى بنات الدّهر [٧] من حيث لا أرى # فكيف بمن يرمى و ليس برامى
[١] كذا فى الأصل، ج، د، ش. و فى ت، ف: «فإن اللّه هو الدهر» .
[٢] ديوانه: ٨٠. و فى حاشية الأصل: «قروم: جمع قرم؛ و هو سيد و شريف و كريم؛ و ابتهل؛ من المباهلة، أى تضرع و ذل» .
[٣] الأبيات فى المعمرين ٦٢، و حماسة البحترى ٣٢١.
[٤] حاشية الأصل (من نسخة) : «سبعين» .
[٥] فى حاشيتى الأصل، ف: يقول:
«إن تسعين تركننى لا أضبط أمرا؛ فكأنى مخلوع العذار» . و الضمير فى بها يعود إلى تسعين.
[٦] فى حاشيتى الأصل، ف: «أى ثلاث دفعات» .
[٧] فى حاشيتى الأصل، ف: «بنات الدهر: بلا ياء و حوادثه» .