الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٦١١
قالوا: كيف يبكين دما على شيبه ثم يعبنه!
قال الآمدىّ: ''و ليس هذا بتناقض؛ لأن الشيب إنما أبكى تماضر و لعوب أسفا على شبابه، و الحسان اللواتى عبنه غير هاتين المرأتين، فيكون من أشفق عليه من الشيب منهن و أسف على شبابه بكى؛ كما قال الأخطل:
لمّا رأت بدل الشباب بكت له # إنّ المشيب لأرذل الأبدال [١]
و لم يكن هذه حال من عابه‘‘. قال: ''و هذا مستقيم صحيح‘‘.
قال سيدنا أدام اللّه علوّه: و ليس يحتاج فى الاعتذار لأبى تمام إلى ما تكلفه الآمدىّ؛ بل المناقضة زائلة عنه على كل حال، و إن كان من قد بكى شبابه، و تلهف عليه من النساء هنّ اللواتى أنكرن شيبه، و عبنه به، و ما المنكر من ذلك!و كيف يتناقض أن يبكى على شبابه و نزول شيبه منهن من رأين الشيب ذنبا و عيبا منكرا!و فى هذا غاية المطابقة؛ لأنه لا يبكى الشيب، و يجزع من حلوله و فراق الشباب إلاّ من رآه منكرا و معيبا.
و قال أبو تمام:
راحت غوانى الحىّ عنك غوانيا # يلبسن نأيا تارة و صدودا [٢]
من كلّ سابغة الشباب إذا بدت # تركت عميد القريتين عميدا
أرببن بالمرد الغطارف بدّنا # غيدا ألفهم لدانا غيدا
أحلى الرّجال من النّساء مواقعا # من كان أشبههم بهنّ خدودا
و قوله: «أرببن بالمرد» من أربّ بالشيء إذا لزمه، و أقام عليه، يقال: أربّ و ألبّ بالمكان إذا لزمه: يريد أنهن لزمن هوى المرد و أقمن عليهم. و رواه قوم «أربين بالمرد» من الرّبا الّذي معناه الزيادة، يقال: قد أربى الرجل إذا ازداد؛ فيقول: أربين بالمرد، أى زدن علينا بهم، و جعلن للمرد زيادة اخترنها علينا [٣] .
[١] ديوانه ١٥٨.
[٢] ديوانه: ٨٧-٨٨.
[٣] انظر الشهاب: ١٠.