الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٢٣٥
و هو القائل:
إذا [١] ما المرء صمّ فلم يكلّم [٢] # و أودى سمعه إلاّ ندايا [٣]
و لاعب بالعشىّ بنى بنيه # كفعل الهرّ يحترش العظايا
يلاعبهم و ودّوا لو سقوه # من الذّيفان مترعة ملايا[٤]
فلا ذاق النّعيم و لا شرابا # و لا يشفى من المرض الشّفايا
أراد بقوله: «صمّ فلم يكلم» ، أى لم يسمع ما يكلّم به، فاختصر؛ و يجوز أن يريد أنّه لم يكلّم لليأس من استماعه فأعرض عن خطابه لذلك. و قوله: «و أودى سمعه إلاّ ندايا» أراد أنّ سمعه هلك؛ إلاّ أنه يسمع الصوت العالى الّذي ينادى به.
و أما قوله: «و لاعب بالعشىّ بنى بنيه» ، فإنّه مبالغة فى وصفه بالهرم و الخرف، و أنه قد تناهى إلى ملاعبة الصبيان و أنسهم به. و يشبه أن يكون خصّ العشىّ بذلك لأنّه وقت رواح الصبيان إلى بيوتهم و استقرارهم فيها.
و قوله: «يحترش العظايا» /أى يصيدها، و الاحتراش أن يقصد الرجل إلى جحر الضّب فيضربه بكفّه ليحسبه الضب أفعى، فيخرج إليه فيأخذه، يقال: حرشت الضّبّ، و احترشته؛ و من أمثالهم: «هذا أجلّ من الحرش» ، يضرب عند الأمر يستعظم، و يتكلم بذلك على لسان الضب. قال ابن دريد: قال الضب لابنه: اتّق الحرش، قال:
و ما الحرش؟قال: إذا سمعت حركة بباب الجحر فلا تخرج؛ فسمع يوما وقع المحفار فقال:
يا أبه، أ هذا الحرش؟فقال: «هذا أجلّ من الحرش» ؛ فجعل مثلا للرجل إذا سمع الشيء الّذي هو أشدّ مما كان يتوقّعه.
[١] الأبيات فى طبقات الشعراء: ٣٠، و حماسة البحترى ٣٢٤ (و رواها همزية) ، و معجم الشعراء:
٢١٣، و فى حاشية الأصل: «ذكر سر قال: «قرأت س قال: قرأت بخط عبد السلام البصرى رحمه اللّه أن هذه القطعة: إذا ما المرء... لعثكلان بن ذى كواهن الحميرى» .
[٢] فى الطبقات و معجم الشعراء «فلم يناجى» .
[٣] فى حاشية الأصل، ت: «إنما قلب الهمزة فى ندايا و شفايا و غيرهما ياء لأنه لو قال: شفاء لكانت تحصل همزة يكتنفها ألفان، و الألف قريب من الهمزة، فإذا اجتمع ألفان مع همزة صار كأنه قد حصل قريب من الهمزتين؛ فلما كان كذلك أبدل من الهمزة ياء» .