الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٤٢٨ - تأويل خبر
ثم ألقى فى النار ما أبطلته؛ لأنها و إن أحرقته فإنها لا تدرسه؛ إذ كان اللّه قد ضمّنه قلوب الأخيار من عباده؛ و الدليل على هذا قول اللّه تعالى للنبى صلى اللّه عليه و آله فيما روى عنه:
إنى منزّل عليك كتابا لا يغسله الماء، تقرأه نائما و يقظان؛ فلم يرد تعالى أن القرآن لو كتب فى شيء ثم غسل بالماء لم ينغسل؛ و إنما أراد أنّ الماء لا يبطله و لا يدرسه إذا كانت القلوب تعيه و تحفظه.
قال: و مثل هذا كثير فى كتاب اللّه تعالى و فى لغة العرب؛ قال اللّه تعالى: يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا/وَ عَصَوُا اَلرَّسُولَ لَوْ تُسَوََّى بِهِمُ اَلْأَرْضُ وَ لاََ يَكْتُمُونَ اَللََّهَ حَدِيثاً ؛ [النساء: ٤٢]، فهم قد كتموا اللّه تعالى لمّا قالوا: وَ اَللََّهِ رَبِّنََا مََا كُنََّا مُشْرِكِينَ [الأنعام: ٢٣]، و إنما أراد تعالى؛ و لا يكتمون اللّه حديثا فى حقيقة الأمر؛ لأنهم و إن كتموه فى الظاهر فالذى كتموه غير مستتر عنه.
قال سيدنا الشريف المرتضى أدام اللّه علوّه: و الوجه الصحيح فى تأويل الخبر غير ما توهّمه ابن قتيبة و ابن الأنبارىّ جميعا، و هو أن هذا من كلام النبىّ صلى اللّه عليه و آله على طريق المثل و المبالغة فى تعظيم شأن القرآن و الإخبار عن جلالة قدره و عظم خطره، و المعنى أنه لو كتب فى إهاب، و ألقى فى النار و كانت النار مما لا تحرق شيئا لعلوّ شأنه و جلالة قدره لم تحرقه النار.
و لهذا نظائر فى القرآن و كلام العرب و أمثالهم كثيرة ظاهرة على من له أدنى أنس بمذاهبهم، و تصرّف كلامهم.
فمن ذلك قوله تعالى: لَوْ أَنْزَلْنََا هََذَا اَلْقُرْآنَ عَلىََ جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خََاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اَللََّهِ وَ تِلْكَ اَلْأَمْثََالُ نَضْرِبُهََا لِلنََّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ؛ [الحشر: ٢١].
و معنى الكلام: إنّنا لو أنزلنا القرآن على جبل، و كان الجبل مما يتصدّع إشفاقا من شيء؛ أو خشية لأمر لتصدّع مع صلابته و قوّته؛ فكيف بكم يا معاشر المكلّفين، مع ضعفكم و قلّتكم!و أنتم أولى بالخشية و الإشفاق؛ و قد صرح اللّه تعالى بأنّ الكلام خرج مخرج