الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ١٩٦
أجمل بك من الانتقام منى، فقال ابن أبى دؤاد: قبحك اللّه!فو اللّه ما علمتك إلاّ كثير تزويق اللسان، و قد جعلت بيانك أمام قلبك، ثم اضطغنت فيه النفاق و الكفر؛ يا غلام صر به إلى الحمام، و أمط عنه الأذى. فأخذت عند السلسلة/و القيد، و أدخل الحمام، و أميط عنه الأذى، و حمل إليه تخت من ثياب و طويلة و خفّ، فلبس ذلك، ثم أتاه فصدّره فى مجلسه، ثم أقبل عليه، و قال: هات الآن حديثك يا أبا عثمان!
و قال المبرّد: سمعت الجاحظ يقول: احذر من تأمن؛ فإنك على حذر ممن تخاف.
و قال الجاحظ: قلت لأبى يعقوب الخريمىّ الشاعر: من خلق المعاصى؟قال: اللّه، قلت:
فمن عذّب عليها؟قال: اللّه، قلت: فلم؟قال: لا أدرى و اللّه!
و كان الجاحظ يقول: ينبغى للكاتب أن يكون رقيق حواشى الكلام، عذب ينابيعه، إذا حاور سدّد سهم الصواب إلى غرض المعنى.
و قال: لا تكلّم العامة بكلام الخاصة، و لا الخاصة بكلام العامة.
و قال سوّار بن أبى شراعة: كنت عند الجاحظ، فرآنى أكتب خطا رديئا فى ورق رديء متقارب السطور، فقال لى: ما أحسبك تحبّ ورثتك، فقلت: و كيف ذاك؟قال:
لأنى أراك تسيء بهم فيما تخلّفه!
و ذكر أبو العباس المبرّد قال: سمعت الجاحظ يقول لرجل آذاه: أنت و اللّه أحوج إلى هوان من كريم إلى إكرام، و من علم إلى عمل، و من قدرة إلى عفو، و من نعمة إلى شكر.
و قال المبرّد قال لى الجاحظ يوما: أ تعرف مثل قول إسماعيل بن القاسم.
و لا خير فيمن لا يوطّن نفسه # على نائبات الدّهر حين تنوب
فقلت: نعم، قول كثيّر، و منه أخذ:
فقلت لها يا عزّ كلّ مصيبة # إذا وطّنت يوما لها النّفس ذلّت