الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٥٩٦
فقلت له: إنما أخذ ابن الرومىّ بيته الثالث من قول أبى نواس؛ فقال المكتفى باللّه:
فما قال؟قلت: حدثنى عليّ بن سراج المصرىّ قال حدثنى أبو وائل اللخمىّ قال حدثنى إبراهيم بن الخصيب قال: وقف أبو نواس بمصر على النيل؛ فرأى رجلا قد أخذه التمساح فقال:
أضمرت للنّيل هجرانا و مقلية # مذ قيل لى: إنّما التمساح فى النّيل
فمن رأى النّيل رأى العين من كثب # فما أرى النّيل إلاّ فى البواقيل
قال الصولىّ: و البواقيل سفن صغار.
ثم أجرى المكتفى بعد ذلك ذكر الشيب، فقال: العرب تقول أظلم من شيب، و قد شبت، و ظلمنى المشيب؛ و شبت يا صولىّ، فقلت: جواب عبدك فى هذا جواب معن بن زائدة الشيبانىّ لجدّك المنصور و قد قال له: كبرت يا معن، فقال: فى طاعتك يا أمير المؤمنين، قال: و إنّك لتتجلّد، قال: على أعدائك، قال: و فيك بحمد اللّه بقيّة، قال: لخدمتك.
فنزع المكتفى عمامته، فإذا شيبتان فى مقدّم رأسه، فقال: لقد غمّنى طلوع هاتين الشيبتين، فقلت له: إنما يعيش الناس فى الشيب؛ فأما السواد فلا يصحب الناس خالصا أكثر من أربعين سنة إلى الخمسين/، و قد يعاش فى البياض الّذي لا سواد فيه ثمانون سنة. و أنشده يحيى ابن عليّ فى معنى طول العمر مع المشيب قول امرئ القيس:
ألا إنّ بعد العدم للمرء قنوة # و بعد المشيب طول عمر و ملبسا [١]
و أنشدته أنا أيضا أبياتا أنشدها إسحاق بن إبراهيم الموصلىّ لبعض القيسيين:
لم ينتقص منى المشيب قلامة # الآن حين بدا ألبّ و أكيس
و الشّيب إن يظهر فإنّ وراءه # عمرا يكون خلاله متنفّس
قال سيدنا أدام اللّه تمكينه: أما قول البحترىّ: «مضى و هو مولى الريح» فقد كرر معناه فى قوله من قصيدة يمدح بها أبا سعيد الثّغريّ:
[١] ديوانه: ١٤٢؛ و القنوة: المال.