الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ١٩٥
مجلسه. و أما إسماعيل بن [١] إسحاق فإنى ما دخلت عليه قطّ إلاّ و فى يده كتاب ينظر فيه، أو يقلّب الكتب لطلب كتاب ينظر فيه.
قال البلخىّ: تفرّد الجاحظ بالقول بأن المعرفة طباع، و هى مع ذلك فعل للعباد على الحقيقة، و كان يقول فى سائر الأفعال إنها تنسب إلى العباد على أنها وقعت منهم طباعا، و أنها وجبت بإرادتهم، و ليس بجائز أن يبلغ أحد فلا يعرف اللّه تعالى؛ و الكفار عنده بين معاند، و بين عارف قد استغرقه حبّه لمذهبه و شغفه به و إلفه و عصبيته؛ فهو لا يشعر بما عنده من المعرفة بخلافه.
و كان الجاحظ ملازما لمحمد بن عبد الملك الزيات [٢] ، و كان منحرفا عن أحمد بن أبى دؤاد، للعداوة التى كانت بين أحمد و محمّد، فلما قبض على محمد بن عبد الملك الزيات هرب الجاحظ، فقيل له: لم هربت؟فقال: خفت أن أكون ثانى اثنين إذ هما فى التنّور!يريد: ما صنع بمحمد بن عبد الملك من إدخاله تنورا فيه مسامير، كان هو صنعه ليعذّب الناس فيه، فعذب به حتى مات.
و روى انه أتى بالجاحظ بعد موت ابن الزيات و فى عنقه سلسلة، و هو مقيّد فى قميص سمل، فلما نظر إليه ابن أبى دؤاد قال: و اللّه ما علمتك إلاّ متناسيا للنعمة، كفورا للصنيعة، معدنا للمساوئ، و ما فتّنى باستصلاحى [٣] لك، و لكنّ الأيام لا تصلح منك لفساد طويّتك، و رداءة دخيلتك [٤] ، و سوء اختيارك، و غالب طبعك؛ فقال الجاحظ: خفّض عليك أيدك اللّه!فو اللّه لأن يكون لك الأمر عليّ خير من أن يكون لى عليك، و لأن أسيء و تحسن أحسن فى الأحدوثة عنك من أن أحسن فتسيء، و لأن تعفو عنى فى حال قدرتك
[١] هو إسماعيل بن إسحاق القاضى البصرى الفقيه المالكى؛ صنف فى القراءات و الفقه؛ و كان إماما فى العربية؛ قال المبرد: هو أعلم بالتصريف منى؛ و توفى سنة ٢٨٢؛ (شذرات الذهب ٢: ١٧٨) .
[٢] هو محمد بن عبد الملك بن أبان، المعروف بابن الزيات؛ كان وزير المعتصم، و له شعر سائر جيد، و ديوان رسائل، و توفى سنة ٢٣٣؛ (ابن خلكان ٢: ٥٤) .
[٣] حاشية الأصل:
«أى ما فوتنى استصلاحك، و الباء للتعدية» .
[٤] ت: «داخلتك» .