الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٠٩ - تأويل آية
بعد قيام الحجة بما تقدّم من آياتهم و معجزاتهم؛ لأنّه تعالى إنما يظهر هذا الضرب من المعجزات إذا علم أنّه يؤمن عنده من لم يؤمن بما تقدم من الآيات، فإذا علم خلاف ذلك لم يظهرها، و صرف الذين علم من حالهم أنهم لا يؤمنون عنها، و يكون الصّرف على أحد وجهين: إمّا بألاّ يظهرها جملة، أو بأن يصرفهم عن مشاهدتها، و يظهرها بحيث ينتفع بها غيرهم.
فإذا قيل: و ما الفرق فيما ذكرتموه بين ابتداء المعجزات، و بين زيادتها؟قلنا: الفرق بينهما أن المعجز الأوّل يجب إظهاره لإزاحة العلّة فى التكليف؛ و لأنّا به نعلم صدق الرسول المؤدّى إلينا ما فيه لطفنا و مصلحتنا.
فإذا كان التكليف يوجب تعريف [١] المصالح و الألطاف لتنزاح العلّة، و كان لا سبيل إلى معرفتها على الوجه الّذي تكون عليه لطفا إلاّ من قبل الرسول، و كان لا سبيل إلى العلم بكونه رسولا إلاّ من جهة/المعجز وجبت بعثة الرسول و تحميله ما فيه مصلحتنا من الشرائع، و إظهار المعجز على يده لتعلّق هذه الأمور بعضها ببعض، و لا فرق فى هذا الموضع بين أن يعلم أنّ المبعوث إليهم الرسول، أو بعضهم يطيعون و يؤمنون، و بين ألاّ يعلم ذلك فى وجوب البعثة، و ما يجب بوجوبها، لأنّ تعريف المصالح مما يقتضيه التكليف العقلىّ الّذي لا فرق فى حسنه بين أن يقع عنده الإيمان أو لا يقع؛ و ليس هذه سبيل ما يظهر من المعجزات بعد قيام الحجة بما تقدم منها؛ لأنّه متى لم ينتفع بها منتفع، و يؤمن عندها من لم يؤمن لم يكن فى إظهارها فائدة، و كانت عبثا؛ فافترق الأمران.
فإن قيل: كيف يطابق هذا التأويل قوله: ذََلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيََاتِنََا وَ كََانُوا عَنْهََا غََافِلِينَ ، و من المعلوم أنّ صرفهم عن الآيات لا يكون مستحقا بذلك؟قلنا: يمكن أن يكون قوله تعالى: ذََلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيََاتِنََا لم يرد به تعليل قوله: سَأَصْرِفُ ، بل يكون كالتعليل لما هو أقرب إليه فى ترتيب الكلام، و هو قوله تعالى: وَ إِنْ يَرَوْا كُلَّ
[١] من نسخة بحواشى الأصل، ت، ف: «تعريفنا» .