الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ١٧٠
قال: إنى عمرو بن عبيد، و كانت على المنصور جبّة يمانية محقّقة [١] ؛ فقال: ويلك يا ربيع!عمرو بالباب؟قال: نعم، قال: هات لى قميصا أبيض، فأتاه به، فألقاه عليه، ثم قال: در من خلفى؛ فغط الجبة و ازرر عليّ-قال الربيع: و لم أكن أرى أحدا يوقّره المنصور حتى رأيت عمرو بن عبيد-فدخل عليه رجل آدم مربوع الكدنة [٢] ، بين عينيه أثر السجود، حسن الأدب، حسن اللسان؛ كأنه لم يزل مع الملوك فى توقيره للخليفة، و إعظامه إياه، قال:
فسلّم، فاجتذبه المنصور ليجلس معه فأبى، و طرح نفسه بين يديه، فساء له و احتفى [٣] به، فلما أراد عمرو القيام قال له: عظنى يا أبا عثمان و أوجز، قال له: إنّ ما فى يدك لست بوارثه عن أحد، و إنما هو شيء صار إليك، و قد كان فى يد غيرك قبلك، و لو دام لك لبقى فى يد الأول، و السلام. و روى الأصمعىّ قال: قال مطر الوراق لعمرو بن عبيد: إنى لأرحمك مما يقول الناس فيك، فقال عمرو: أ تسمعني [٤] أقول فيهم شيئا؟قال: لا، قال: فإياهم فارحم!
/و قال خالد بن صفوان لعمرو بن عبيد: لم لا تأخذ منّى فتقضى دينا إن كان عليك، و تصل رحمك؟فقال له عمرو: أما دين فليس عليّ، و أما صلة رحمى فلا يجب عليّ، و ليس عندى. قال: فما يمنعك أن تأخذ منّى؟قال: يمنعنى أنه لم يأخذ أحد من أحد شيئا إلاّ ذلّ له، و أنا و اللّه أكره أن أذلّ لك.
و يقال إن ابن لهيعة أتى عمرو بن عبيد فى المسجد الحرام، فسلّم عليه، و جلس إليه، و قال له يا أبا عثمان ما تقول فى قوله تعالى: وَ لَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ اَلنِّسََاءِ وَ لَوْ حَرَصْتُمْ ؛ [النساء: ١٢٩]؟فقال: ذلك فى محبّة القلوب التى لا يستطيعها العبد و لم يكلّفها [٥] ، فأما العدل بينهن فى القسمة من النفس و الكسوة و النفقة فهو مطيق لذلك، و قد كلّفه بقوله
[١] حاشية الأصل: «محققة، يعنى أن نسبتها إلى اليمن صحيحة» . و فى م: «محققة» .
[٢] الكدنة: غلظ اللحم على الجسم.
[٣] حاشية ت (من نسخة) : «و أحفى به» .
[٤] ت: «أ فسمعتني» .
[٥] ت: «و لا تكلفها» .