الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٤٠ - تأويل آية
كما قال تعالى: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ [البقرة: ١٨]، و كما يصف أحدنا من لم يفطن لبعض الأمور، أو لم يعلم ما هو مأمور بعلمه بالجنون و فقد العقل.
فأما الحديث الّذي أورده السائل شاهدا له فقد قيل إنه عليه و آله السلام [١] لم يرد بالبله ذوى الغفلة و النقص و الجنون، و إنما أراد البله عن الشرّ و القبيح، و سمّاهم بلها عن ذلك من حيث لا يستعملونه و لا يعتادونه، لا من حيث فقدوا العلم به. و وجه تشبيه من هذه حاله بالأبلة ظاهر، فإنّ الأبله عن الشيء هو الّذي لا يعرض له و لا يقصد إليه، فإذا كان المتنزّه عن الشر معرضا عنه، هاجرا لفعله جاز أن يوصف بالبله للفائدة التى ذكرناها؛ و يشهد بصحة هذا التأويل قول الشاعر:
و لقد لهوت بطفلة ميّادة # بلهاء تطلعنى على أسرارها [٢]
أراد أنها بلهاء عن الشر و الريبة؛ و إن كانت فطنة لغيرهما؛ و قال أبو النّجم العجلىّ:
من كل عجزاء سقوط البرقع [٣] # بلهاء لم تحفظ و لم تضيّع
أراد بالبلهاء ما ذكرناه. فأما قوله: «سقوط البرقع» فأراد أنها تبرز وجهها و لا تستره، ثقة [٤] بحسنه و إدلالا بجماله [٤] ، و قوله: «لم تحفظ» أراد أن استقامة طرائقها تغنى عن حفظها، و أنها لعفافها [٥] و نزاهتها غير محتاجة إلى مسدّد و موقّف؛ و قوله: «لم تضيّع» أراد أنّها لم تهمل فى أغذيتها [٦] و تنعيمها و ترفيهها فتشقى، و مثل قوله: «سقوط البرقع» قول الشاعر [٧] :
[١] ت: «إن النبي صلى اللّه عليه و آله» ، ف: «إنه صلى اللّه عليه و آله» .
[٢] الأضداد ص ٢٠٢، و اللسان (بله) -بلا عزو. و الطفلة: الناعمة؛ و فى ت، د، ف:
«ميالة» .
[٣] اللسان (بله) .
[٤] حاشية ت (من نسخة) : «بحسنها و إدلالا بجمالها» .
[٥] ش: «لعفافتها» ، و فى حواشى الأصل، ت، ف: «عف يعف عفا و عفة و عفافة» .
[٦] فى حاشيتى الأصل، ف: «الأولى فى معنى لم تضيع أنها لا تخلو من خدم يختصون بها؛ ليكون هذا التضييع مطابقا لذلك الحفظ» . و فى حاشية ت (من نسخة) : «فى تغذيتها» .
[٧] هو عمر بن أبى ربيعة، و البيت فى ديوانه ٣٣.
غ