الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٢٣٩
و إياكم أن تكونوا بالأحداث مغترين، و لها آمنين، و منها ساخرين، فإنه ما سخر قوم قطّ إلاّ ابتلوا، و لكن توقّعوها، فإنما الإنسان فى الدنيا غرض تعاوره الرّماة، فمقصّر دونه و مجاوز لموضعه، و واقع عن يمينه و شماله؛ ثم لا بدّ أنّه مصيبه» .
قوله: «حرسا من دهرى» ، يريد طويلا منه، و الحرس من الدّهر: الطويل، قال الراجز:
*فى سنبة عشنا بذاك حرسا*
السّنبة: المدة من الدهر. و التواكل: أن يكل القوم أمرهم إلى غيرهم، من قولهم:
رجل و كل، إذا كان لا يكفى نفسه، و يكل أمره إلى غيره؛ و يقال: رجل وكلة تكلة.
و الغرض: كلّ ما نصبته للرمى. و تعاوره، أى تداوله.
قال سيدنا الشريف أدام اللّه علوّه: و قد ضمّن ابن الرومىّ [١] معنى قول زهير بن جناب:
«الإنسان فى الدهر غرض تعاوره الرماة، فمقصّر دونه و مجاوز له، و واقع عن يمينه و شماله، و لا بدّ أن يصيبه» أبياتا، فأحسن كلّ الإحسان؛ و الأبيات:
كفى بسراج الشّيب فى الرّأس هاديا # لمن قد أضلّته [٢] المنايا لياليا
أ من بعد إبداء المشيب مقاتلى # لرامى المنايا تحسبينى ناجيا
غدا الدّهر يرمينى فتدنو سهامه # لشخصى [٣] أخلق أن يصبن سواديا
و كان كرامى اللّيل يرمى و لا يرى # فلمّا أضاء الشّيب شخصى رمانيا
أما البيت الأخير، فإنه أبدع فيه و غرّب [٤] ، و ما علمت أنّه سبق إلى معناه؛ لأنّه جعل الشباب كالليل الساتر على الإنسان، الحاجز بينه و بين من أراد رميه لظلمته
[١] حاشية الأصل: «كان ابن الرومى متشيعا، و كان مغلقا فى الشعر و اللغة؛ بحيث يقول لتلامذته:
اعرضوا شعرى، ثعلب، فما أنكر من نحوه فخذوه، و ما أنكر من لغته فلا تلفتوا إليه؛ فإنى أعلم منه باللغة» .
[٢] ش: «إلى من أضلته» . حاشية ت (من نسخة) : «له من أضلته» .
[٣] ت، و نسخة بحاشية الأصل: «لشخصى و أخلق» .
[٤] ت: «و أغرب» .