الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٢٦ - تأويل آية
و تارة إلى صفة الثعبان؛ أو على سبيل الاستظهار فى الحجة، و أن الحال لو كانت واحدة على ما ظنّ لم يكن بين الآيتين تناقض؛ و هذا الوجه أحسن ما تكلّفوا الجواب لأجله؛ لأن الأولين لا يكونان إلا عن غلط أو غفلة، و ذكروا وجهين تزول بكل واحد منهما الشبهة فى تأويلها:
أحدهما أنه تعالى إنما شبّهها بالثعبان فى إحدى الآيتين لعظم خلقها، و كبر جسمها، و هول منظرها؛ و شبّهها فى الآية الأخرى بالجانّ لسرعة حركتها و نشاطها و خفّتها؛ فاجتمع لها مع أنها فى جسم الثعبان و كبر خلقه نشاط الجان، و سرعة حركته؛ و هذا أبهر فى باب الإعجاز، و أبلغ فى خرق العادة؛ و لا [١] تناقض معه بين الآيتين؛ و ليس يجب إذا شبّهها بالثعبان أن يكون لها جميع صفات الثعبان، و لا إذا شبّهها بالجان أن يكون لها جميع صفاته، و قد قال اللّه تعالى: وَ يُطََافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَ أَكْوََابٍ كََانَتْ قَوََارِيرَا . قوارير من فضّة[الدهر: ١٥، ١٦]. و لم يرد تعالى أنّ الفضّة قوارير على الحقيقة؛ و إنما وصفها بذلك لأنه اجتمع لها صفاء القوارير و شفوفها و رقّتها؛ مع أنها من فضة؛ و قد تشبّه العرب الشيء بغيره فى بعض وجوهه؛ فيشبّهون المرأة بالظّبية و البقرة [٢] و نحن نعلم أن فى الظباء و البقر من الصّفات ما لا يستحسن أن يكون فى النساء، و إنما وقع التشبيه فى صفة دون صفة، و من وجه دون وجه [٣] .
و الجواب الثانى أنه تعالى لم يرد بذكر الجانّ فى الآية الأخرى الحيّة؛ و إنما أراد أحد الجنّ؛ فكأنه تعالى خبّر [٤] بأن العصا صارت ثعبانا فى الخلقة و عظم الجسم؛ و كانت مع ذلك كأحد الجن فى هول المنظر و إفزاعها لمن شاهدها؛ و لهذا قال تعالى: فَلَمََّا رَآهََا تَهْتَزُّ كَأَنَّهََا جَانٌّ وَلََّى مُدْبِراً وَ لَمْ يُعَقِّبْ .
[١] حاشية الأصل (من نسخة) : «فلا» .
[٢] ت: «و بالبقرة» .
[٣] ت: «دون آخر» .
[٤] حاشية الأصل (من نسخة) : «أخبر» .
غ