الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٢٧ - تأويل آية
و يمكن أن يكون فى الآية تأويل آخر استخرجناه؛ إن لم يزد على الوجهين الأوّلين لم ينقص عنهما؛ و الوجه فى تكلّفنا له ما بيّناه من الاستظهار فى الحجّة، و أنّ التناقض الّذي توهّم زائل على كل وجه [١] ؛ و هو أنّ العصا لمّا انقلبت حيّة صارت أولا بصفة الجانّ و على صورته؛ ثم صارت بصفة الثّعبان؛ على تدريج؛ و لم تصر كذلك ضربة واحدة؛ فتتّفق الآيتان على هذا التأويل، و لا يختلف حكمهما، و تكون الآية الأولى التى تتضمن ذكر الثعبان إخبارا عن غاية حال العصا، و تكون الآية الثانية تتضمّن ذكر الحال التى ولى موسى فيها هاربا؛ و هى حال انقلاب العصا إلى خلقة الجان؛ و إن كانت بعد ذلك الحال انتهت إلى صورة الثعبان.
فإن قيل على هذا الوجه: كيف يصح ما ذكرتموه مع قوله تعالى: فَإِذََا هِيَ ثُعْبََانٌ مُبِينٌ ؛ و هذا يقتضي أنها صارت ثعبانا بعد الإلقاء بلا فصل؟قلنا: تفيد [٢] الآية ما ظنّ؛ و إنما فائدة قوله تعالى: فَإِذََا هِيَ الإخبار عن قرب الحال التى صارت فيها بتلك الصّفة؛ و أنّه لم يطل الزّمان فى مصيرها كذلك، و يجرى هذا مجرى قوله تعالى/: أَ وَ لَمْ يَرَ اَلْإِنْسََانُ أَنََّا خَلَقْنََاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذََا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ [يس: ٧٧]؛ مع تباعد ما بين كونه نطفة و كونه خصيما مبينا، و قولهم: ركب فلان من منزله فإذا هو فى ضيعته، و سقط من أعلى الحائط فإذا هو فى الأرض؛ و نحن نعلم أنّ بين خروجه من منزله و بلوغه ضيعته زمانا، و أنّه لم يصل إليها إلا على تدريج؛ و كذلك الهابط من الحائط؛ و إنما فائدة الكلام الإخبار عن تقارب الزّمان؛ و أنه لم يطل و لم يمتدّ.
[١] ت: «على كل حال» .
[٢] ت (من نسخة) : «تقدير» .
غ