الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٦٢٦
''و قوله: «إما و إمّا» لا نوجب إلا إحداهما‘‘قال: ''و العذر للبحترىّ أن يقال: إنّ من مات شابا فقد فارق الشباب وحده لأنّه لم يعمّر، فيكون مفارقا للعمر أ لا ترى أنهم يقولون:
عمّر فلان إذا أسنّ، و فلان لم يعمّر إذا مات شابا، و من شاب و عمّر ثم مات لم يكن مفارقا للشباب فى حال موته؛ لأنه قد قطع أيام الشباب، و تقدمت مفارقته له، و إنما يكون فى حال موته مفارقا للعمر وحده، فإلى هذا ذهب البحترىّ، و هو صحيح/و لم يرد بالعمر المدّة القصيرة التى يعمّرها الإنسان، و إنما أراد بالعمر هاهنا الكبر، كما قال زهير:
رأيت المنايا خبط عشواء من تصب # تمته، و من تخطئ يعمّر فيهرم [١]
قال رضى اللّه عنه: و ما رأيت أشدّ تهافتا فى الخطأ منه فيما يفسّره و يتكلم عليه من شعر هذين الرجلين!و معنى البيت غير ما توهّمه؛ و هو أظهر من أن يخفى؛ حتى يحتاج فيه إلى هذا التّغلغل و التعسّف؛ و إنما أراد البحترىّ أن الإنسان بين حالين: إما أن يفارق الشباب بالشّيب، أو العمر بالموت؛ فمن مات شابا-و إن كان قد خرج من العمر، و خرج بخروجه عن سائر أحوال الحياة من شباب و شيب و غيرهما-فإنه لم يفارق الشباب وحده؛ و إنما فارق العمر الّذي فارق بمفارقته الشباب و غيره. و قسمة الرجل تناولت أحد الأمرين: إمّا مفارقة الشباب وحده بلا واسطة-و لن يكون ذلك إلاّ بالشّيب-أو مفارقة العمر بالموت. و تلخيص كلامه: أنه لا بدّ للحي من شيب أو موت، فكأن الشيب و الموت متعاقبان؛ و البحترىّ إنما جعل قوله: «العمر» مقام الحياة و البقاء، و إنما قال: «العمر» لأجل القافية؛ مع أنه منبئ عن مراده؛ و لو أنّه قال: و لا بدّ من ترك الحياة أو ترك الشباب لقام مقام قوله: «العمر» .
***
أخبرنا أبو عبيد اللّه المرزبانىّ قال حدثنى عليّ بن محمد الكاتب قال حدثنا أحمد بن عبيد اللّه قال: من معانى ابن الرومىّ التى فتقها قوله يذمّ من جعل مصيبة غيره منسية له مصيبته، و عاب
[١] من المعلقة، ديوانه: ٢٩؛ خبط عشواء؛ أى تسير على غير قصد؛ يقال: عشا يعشو عشا إذا أصابه العشا؛ و هو السير على غير بصر.